الطوباي مار زيعا

في سنه 620 اليونانية الموافقة لسنة 309 الميلادية كان فلسطيني رجل يدعي شمعون التاجر واسم امرأته هيلانة وكانا بارين امام الله عائشين بموجب وصايا الله و شرائعه وكانا غنيين للغاية ولهما ابنان برتبة فرسان لدى الملك.

وفي احدى الليالي بينما كان شمعون غارقاً في سبات عميق تراءى له الملاك في الحلم قائلا له: (شمعون شمعون، لقد صعدت صلواتك وتجلت صدقاتك امام الله. وها ان امرأتك تحبل وتلد لك ابنا مباركا وتدعو اسمه زيعا) فاجابه شمعون قائلا: (اني رجل طاعن في السن و كذلك امرأتي). فقال له الملاك: (انا جبرائيل الملاك القائم امام الله ارسلت لاكلمك وابشرك بهذه لان الطفل سيكون منذورا من بطن امه: ولن يشرب خمراً ولا مسكراً وسيمتلئ من روح القدس و هو في بطن امه). اجابه شمعون قائلا: (نعم ياسيدي، ليكن لي كما قلت).

ولما استيقظ من نومه تعجب ثم حكى لامرأَته ما راه في الحلم وبما كلمه الملاك. فارتعبت هيلانة من هذا الخبر الذي سمعته وقالت (لتكن ارادة الرب).

حبلت هيلانة ورزقها الله بابن في شيخوختها اذ كانت ابنة ثلاث وتسعين سنة حين حملته في بطنها تسعة اشهر وكان رجلها شمعون ابن مائة وعشرين سنة. ولما ولدت ابنها دعى زيعا لان هذا الاسم يرعب الشياطين وجميع الارواح الشريرة والاشرار الظالمين:

فرحت السماء بمولده وابتهجت الارض بعماذه وكما حل الروح القدس على ام يوحنا المعمدان فكذلك حل على هيلانة التي كانت تصوم من الصباح حتى المساء فكانت تأكل قليلا. كذلك كانت تعطي الصدقات الى الفقراء والمساكين وترحم الايتام وتعيل الارامل وتضيف الغرباء.

في يوم مولد الطفل زيعا اضطربت الارض من بهائه بقوة الرب وتشققت الصخور. فالمجد للقوة الإلهية التي اعطت ابن البركات الغصن الغض والثمرة المباركة والايقونة البهية الذي اينعت ثماره على وجه الارض. ويوم مولد الطفل كان ابوه في الحقل فاسرع رجل اليه يبشره بمولد الابن فاجابه شمعون فرحا: (ساعطيك بدرة من الذهب لانك بشرتني) ثم جاء شمعون الى بيته وفرح بالطفل ودعى جميع جيرانه واقاربه والمحيطين به الى مأدبة اقامها وامر بذبح عشرة عجول  واربعين غنمة فعم الفرح والسرور فكانت حفلة رائعة دامت سبعة ايام و سبع ليال.

وفي اليوم السابع طلب شمعون ان يعمذ الطفل وعمل الكاهن كما قال له فقرع الجرس واجتمع الكهنة والشمامسة وكل شعب المدينة الذي يقدر عدده باثني عشر الف شخص اذ لم يبق احد لم يحضر. و لما اتوا بالطفل لتعميذه سأل الكاهن هيلانة عماذا يدعي الطفل؟ فقالت له: (انت تعرف انه في يوم مولده اضطربت الارض من بهائه) فدعاه الكاهن زيعا الذي تخافه الشياطين والارواح الشريرة. ثم مسحه بزيت المسيحية وعمذه باسم الرب والابن وروح القدس وظفر اكليلا من الذهب على رأسه.

في يوم عماذه اولم شمعون والده مأدبه كبرى امر فيها بنحر ثمانين خروفا واثني عشر عجلا وصار فرح عظيم شامل وفي ختام المأدبة وزع شمعون على المدعوين اَلاف الدنانير ثم تركهم يذهبون بسلام كل الى بيته وكان الصبي ينمو ويترعرع بالنعمة والحكمة امام الله والناس وعندما اكمل الثالثة من عمره سلمه ابوه الى الملفان يوحنان ليبدأ بتلقينه مبادئ الكتب الالهية فدخل المدرسة مع خمسين من رفاقه التلاميذ ثم استمر على الدوام حتى حفظ عهدي الكتاب المقدس على ظهر قلبه وحل عليه روح القدس فكان النجاح حليفه يوما بعد اَخر واستنارت نفسه بنور العلوم الالهية وتعجب رفاقه بذكائه المتقد والمستنير بنور النعمة الالهية اذ كان مثابراً على الصوم والصلاة فتقدس فتقدس جسده الى جانب قداسة نفسه ونقاوة قلبه ففي الليل يسهر متعبدا وعند الصباح يذهب الى المدرسة ووجهه نير كوجه ملاك.

ولما رأى القديس زيعا ان هذا العالم زائل وملذاته باطلة ولن يدوم الى الابد غير القداسة ونقاوة النفس وطهارة القلب بدأ يقضي سوابيع السنة بالصوم والصلاة وعند المساء يأكل رغيفاً من الخبز ويشرب جرعة من الماء.

وبعد ان قضى مدة من الزمن في المدرسة وتعلم الشيء الكثير قال لاستاذه: (يكفيني يا سيدي ما تعلمته منك لاني اريد ان اذهب). فقال له الاستاذ: (اذهب بسلام يا بني والرب يكون معك). فذهب الى بيت والديه وتفرغ الى قراءة انجيل ربنا يوميا ورأى ما قاله ربنا (من لم يترك اباه وامه واخواته واخوانه لا يستحق ان يكون لي تلميذا). فتعجب بهذه النظرية الالهية وقرر الذهاب الى اورشليم للتبرك بزيارة قبر ربنا والاماكن المقدسة في جبل الزيتون وصادف ان زاره رجل يدعى شملى وكان ذاهبا الى اورشليم فقال له القديس زيعا: (انا ايضا اذهب معك واكون لك تلميذا) فقال له شملي: (هلم بسلام ولكن ماذا تصنع لو رفض ابوك؟) فقام القديس زيعا وذهب الى ابيه وامه قائلا: (اريد الذهاب الى اورشليم لاكون ناسكا وان لم تتركوني لاذهب فالمسيح يأخذ حقي منكم).

فجثا ابواه امام قدميه وهما يبكيان واجاباه بحزن ومرارة: (هذا كله تم بارادة الرب، انك تكره والديك وتحل الرب. فاذهب بسلام والرب يكون معك وهو يحقق لك امنيتك). ولما نهض صباحا ليذهب مع الراهب شملي قام شمعون ابوه واعطاه مائتي بدره من الذهب وخمسين زوجا من الملابس الازمة له فقال لابويه: (ابقوا بسلام) فقالا له: (لنذهب معك ميلا واحدا) فقال لهم (حي هو الرب: لاتخرجوا من باب الدار). فعانقاه وقبلاه وقالا له باكين: (اذهب بسلام والمسيح الذي ابعدك عنا هو يكون معك).

فارقهم بفرح وحزن معاً وذهب برفقة ذلك الراهب الى اورشليم ولدى وصوله الى هناك تعجب كهنة وشمامسة اورشليم بغزارة علمه وكانت النعمة الالهية ظاهرة على محياه. واذ بلغ السابعة والعشرين اقتبل درجة الكهنوت من اسقف اورشليم بفرح وحبور. ويعد ثلاثة ايام وافاه مع الرب واخذه الى البرية حيث وجد جبلية بدأت تغذيه بحليبها مدة طويلة ثم تركته ذاهبة الى الجبل.

وفي احدى الايام وصل الى ذلك الجبل رجل جاء للصيد واسمه تاور ابن الملك فاراس. فلما رائ العنزة قال لرفاقه: (ها قد اعطينا عنزة) ثم اخذ النشاب ليقوس العنزة فنهض القديس زيعا وامسكه قائلا: (لا يجوز لك ان تفعل هذا).

“فسقط النشاب من يد تاور واضطرب خائفا من بهائه واحس بانه امام رجل الله وقال لزيعا (استحلفك بالله ان تقول لي من انت) اجابه القديس: (انا خادم يسوع المسيح) فسأله تاور قائلا: (من هو يسوع المسيح؟) اجابه القديس (المسيح ابن الله الكل الذي خلق السماء والارض والجبال والمرتفعات والبحار والانهار والطيور والبهائم وجميع الزواحف على الارض. ولايوجد اله غيره فهو الاله الحق وحده) فقال له تاور (انا اسجد لخشبة منحوتة مطعمة بالذهب على شكل ثور تدعى لمدطيمس) فقال له القديس (لاذهب معك وارى الهك الذي تقول عنه) فقال له تاور:(هلم معي).

فذهب القديس وراءه ودخل المدينة ورأَى رجلا يصنع اًلهة من الخشب فقال له القديس (ما هذا) اجابه النحات (هذه الهة الملك فاراس) فنهض القديس ورسم الصليب عليها فسقط كلها من مكانها واستحالت الى تراب. فلما رأي النحات ما صنع القديس اسرع الى الملك قائلا له: (جاءني رجل واعدم جميع الالهة) فقال له الملك: (اذهب وقل له ليأتي إلي) وعاد الرجل وقال الى القديس زيعا: (ان الملك يدعوك) فقام لفوره وذهب مع الرجل ودخل امام الملك وسلم عليه وعلى جميع المحيطين به. ولما راًه الملك اضطرب من بهاء منظره فقال له (من اين انت والى اين تذهب ولمن العليا تخدم؟) فقال له القديس (انا من ارض فلسطين وذاهب الى داسان للاقامة هناك) فقال له الملك (لمن تسجد) اجابه زيعا (لأسجد للمسيح الذي صلبه اليهود في اورشليم: ذلك الذي باسمه يقوم الاموات) وفي تلك الساعة مات ابن الملك فحملوه واتوا به الى القديس قال له الملك (اذ احييت هذا الصبي اًمنا جميعا بالهك) حينئذ قام القديس زيعا وجثا على ركبتيه ورفع عينيه الى السماء وصلى قائلا: (يا سيدي يسوع المسيح الذي باسمك يعود الاموات الى الحياة اعد الحياة الى عبدك هذا ليرى الكفرة ويؤمنوا بك انك المسيح ابن الله الحي) وفي تلك الساعة قام الصبي على قدميه ورأُى جميع ابناء المدينة المعجزة وصرخوا جميعهم بصوت واحد قائلين: (المجد للمسيح اله زيعا الذي باسمه يقوم الاموات).

وكان في تلك المدينة ثلاثة وعشرون رجلا مصابين بعاهات الارواح الشريرة فجيُ بهم الى القديس زيعا الذي قام ورفع يديه الى السماء قائلا (يا سيدي يسوع المسيح الذي اخرج الشياطين من ذلك الساكن في المقبرة بشف عبيدك هوُلاء وطهرهم من ضربات ابليس المارد ليرى الكفرة ويوُمنوا بك).

وفي الحال قام كلهم على اقدامهم وشفوا من امراضهم وشاهد ابناء البلدة هذه الاعجوبة التي صنعها القديس واَمن تاور ابن الملك وجميع اهل مدينته معه باله القديس. لكن اباه لم يؤمن بالمسيح واتى مار زيعا بجرن صخري وعمل عماذا وقربانا وعمذهم باسم الاب والابن وروح القدس. معموذية مسيحية لجميع سكان المدينة وحتى تاور لبن الملك اقتبل العماذ.

وبعد هذه ذهب القديس الى صومعته. وفي الليل جاء ملاك الرب الى تاور وقال له: (قم اذهب الى القديس زيعا وكن له تلميذا) وعند الصباح ترك تاور عرشه ومملكته وزوجته واهل بيته وصار تلميذا لمار زيعا الذي بدأ يلقنه التعاليم الالهية وحل الروح الرب في قلبه فكان يسهر طوال الليل امام ربه يصلي وقضى سنتين في دراسة الكتب الالهية ولما كان لتاور اعداء كثيرون وعرف العمالقة ان تاور غائب عن بيته فهجموا على المدينة و ضربوا اهلها بحد السيف وسلبوا كل ما كان لديهم و اخذوا زوجة تاور وابناءه معهم وكان لدى زوجته لباسا احمرا ثمينا للغاية فقطعته اربا اربا ورمت الاجزاء في الطريق وجاء ملاك الرب الى تاور قائلا له (ان العمالقة ضربوا اهل مدينتك وسلبوا كل شئ فقم واسرع اليهم) فحزن تاور فقال له القديس زيعا (لا تخف بل قم واسرع وراءهم وسأكون معك). ففرح تاور واخذ عصاه بيده واسرع وراءهم ووجد في الطريق اجزاء لباس زوجته التي رمتها حتى وصل مكان الاعداء ونظر وراءه فرأى مار زيعا بجانبه. فاخذهم ملاك الرب واوصلهم الى العمالقة الذين لما رأوا مار زيعا ارتعدوا وخافوا من بهائه وعظمته وخارت قواهم وصاروا كالاموات. فاخذ الملاك رمح النار وضربهم فقتل خمسة الاف من الرجال الاشداء واستعاد تاور زوجته واولاده وكل ما سلبوه منه وذهبوا الى مدينتهم. وبعد هذا عاد تاور ومار زيعا الى مكانهم في الجبل حيث بقوا عشرين يوما.

وجاء ملاك الرب وقال لمار زيعا (قم انت و تاور واذهبا الى مدينة الموصل وبشرا هناك ليؤمن اهلها بالله). فنهض زيعا مع تلميذه تاور واتوا الى الموصل. فوجدوا في المدينة صبية مصابة بالجنون لا تترك احدا يمر في الطريق الا وترشقه بالحجارة فجاء هذان الاخوان مار زيعا وتاور وكانت البنت ترجم هذين الطوباويين بالاحجار ولكن الاحجار لم تكن تصل اليهم وذلك بقوة الله الذي كان معهم.

وحينئذ اتى مار زيعا وتاور الى اهل المدينة واجتمعا بهم فقالوا لهما: ولماذا اتيتم الى هذه المجنونة؟).

فدعاها مار زيعا وقال لها: ما اسمك؟.. فاجابت قائلة: مرتا. فقل مار زيعا للشيطان الذي فيها: (اخرج من جسد هذه الصبية بقوة سيدنا يسوع المسيح) فاضطرب الشيطان من بهاء القديس وخرج باكيا وقائلا: (الويل لنا منك يا ابن مريم ومن تلاميذك الذين باسمك يطردوننا). فقال القديس للشيطان اللعين (لا يسمح لك بالاقتراب من اهل المدينة).

وكان في مدينة الموصل ملك وثني طاغ شرير يدعى هورمزد اهور وقد سمع بمجيء هذين المؤسسين لكنيسة القدس. فقال لعبيده: (اذهبوا وأتوني بهذين الرجلين لنرى من هما؟) وذهب العبيد ويدعى يهوذا فدعا هذين القديسين وذهب بهما الى الملك الذي قال لهما (من اين انتما) فقالا له (اتينا من ارض فلسطين واذا اراد الرب فسنذهب الى داسان العالية). فقال لهما الملك (ولمن تسجدون) فقالا لهما (نسجد للمسيح الذي صلبه اليهود في اورشليم. ذلك الذي باسمه يعود الاموات الى الحياة والبكم يسمعون ويهكلمون والمرضى يشفون). فقال لهما الملك: (ومن هو هذا الذي باسمه يقوم الاموات نت القبور؟) فقال له القديسان: (هو ذلك القذى ارسلنا اليك وهو المسيح ابن الله الحي). فاضطرب الملك من بهاء القديس زيعا. وكان في المدينة يهود من سلالة اولئك الدين صلبوا سيدهم فقالوا للملك: (ان هذين يكذبان لان المسيح لم يأت بعد) وأثروا على الملك حتى ابعدوه عن الحق والصواب.

فنهض الملك صباحا من نومه غاضبا ودعا القديسين وقال لهما: (ان لم تصنعوا معجزة بقوة المسيح الذي تعبدونه فسأبيدكم بحد السيف واَمر بان ترمي اجسادكم للكلاب) ثم امر قائلا: (اعدوا السيوف والسكاكين وسكك الحديد لتقطيع اعضاء جسديهما). حينئذ قام القديس زيعا امام الملك وقال له: (واذا صنعنا المعجزات بقوة المسيح ربنا فهل تؤمن به؟) فاجابهم الملك قائلا: (اذا صنعتم معجزة واحدة فاني وجميع اهل المدينة هذه تؤمن بمسيحيتك) فقال القديسان زيعا وتاور وجثيا على ركبتيهما ورفعا يديهما الى السماء وبدءا يصليان في مكان صلاتهما كانت مقبرة فصليا قائلين (يارب كما اقمت حبيبك لعاَزر من القبر فهكذا نطلب اليك ان تقيم الاموات من هذه القبور ليرى الكفرة ويؤمنوا بك انك المسيح ابن لله الحي) وفي الحال تزعزعت القبور وتفتحت وقام منها مائتان امام الملك وجميع اهل المدينة الذين حضروا وصرخوا كلهم قائلين (المجد للميسح محيي الاموات) وأمن الملك واهل المدينة.

وكان للملك ابن وحيد عمره عشرين سنة وهو اعمى لم ير نور الشمس فاتوا به الى القديس زيعا الذي تهابه الشياطين والاشرار والظالمون واتى باناء فيه ماء ورسم عليه اشارة الصليب ثم رش الماء على عين الاعمى وللوقت فتحت عيناه ورأى النور واعطى ابناء المدينة المجد لله قائلين (المجد لله الذي اعطى هذا القديس قوة المعجزات) فخاف اليهود وامر الملك بان يؤخذ اليهود بحد السيف ولايبقى واحد منهم. فخرج الجلادون من عند الملك وقتلوا اليهود جميعهم وكان عددهم اثني عشر الف ولم يبقى منهم سوى شرير واحد.

بدأ القديس زيعا يعمذ الملك وجميع اهل مدينته ثم نبه الملك وأمره ان لايخرج من معتقده وايمانه بهذا الحق لان لابوجد اله سوى هذا الاله الحق. ومنح الملك لمار زيعا ثلاثة وعشرين دينارا وقام مع اهل المدينة وعانقوا القديسين وقالوا لهما: (اذهبا بسلام ايها المؤمنان المباركان والله رب الكل يكون معكما ولايجد مبغضوكما الجرأة للوقوف امامكما واعداؤكم يكون ترابا تحت اقدامكما) فباركهم القديس زيعا.

غادرهم وذهب مع تلميذه تاور الى قرية شوش غير البعيدة عن الزاب. وفي تلك القرية رجل يدعى مرقس وله ابنان مصابان بمرض الجرب منذ اثنتين وعشرين سنة ولم يجد دواء لهذا الداء. وفي تلك القرية تنين هائل كان يأكل كل يوم انسانا وكان اهل القرية يسجدون ثلاث مرات له في اليوم. فذهب مار زيعا مع تاور وسأله قائلا (لمن تسجدون؟) فقال لهما الرجل (نحن نسجد لتنين عظيم وهو الاله الحقيقي) فقال له القديس (لا تكفر بالله الحي خالق السماء والارض والبحار والانهر وكلما فيها) فقال له مرقس (وانت من انت ولمن تسجد؟) فال له القديس (انا عبد ليسوع المسيح وله اسجد) فقال له مرقس (ان شفيت هذين الابنين من الجرب اؤمن انا وجميع اهل القرية) فقال القديس (ائتوني بهما الى هنا) وراَهم القديس وقد ابيض جسمهم كالثلج فتعجب بهما لما جاؤا بهما امام قدميه. فطلب منهم كاس ماء اتوا به ووضعوه امامه. فرسم علامة الصليب على الماء وصلى قائلا: (يا ربنا يسوع المسيح كما شفيت وطهرت الجرب العشرة لشف وطهر عبديك هذين من جربهما لكي يرى هؤلاء الناس ويؤمنون باسمك المقدس والعظيم) ثم رشه عليهما وللوقت طهر جسمهم من الجرب وقاما وسجدا امام القديس ومجدا الله. وصرخ ابوهما بصوت عال قائلا (المجد للمسيح الذي باسمه يتطهر الجرب) .وسمع اهل القرية هذا الصوت فشاركوه في تمجيد الله. وسألهم مار زيعا (اين هو الهم لاذهب لاراه) قال له اهل القرية لا تستطيع الذهاب اليه لانه في يوم يأكل انسانا منا وفي هذا اليوم دور ابن الارملة الوحيد ليقدم للتنين) فذهب مار زيعا ومعه تاور لى ذلك التنين وقال مار زيعا للتنين (هيا اخرج خارجا) فخرج التنين خارجا وهو مرتعد من منظر القديس زيعا  الذي اخذ العصا من يد تاور وضرب بها شفة التنين فشطرها الى شطرين. فتعجب اهل القرية ومجدوا الله واَمنوا بالمسيح وجاء زيعا بجرن الماء وعمذ الناس باسم الاب والابن وروح القدس ثم تركهم وذهب.

وجاءه الملاك وقال له (اذهب وقم في جبل كوزان). فذهب القديس وتلميذه تابور واًقاما في ذلك الجبل اربعين عاما سلكا سبيل الله له المجد وكان طعامه الخبز وعسل البر وكان في ذلك الجبل خمسمائة اخرس واعمى فشفاهم.

وجاءه الملاك وقال له (قم وانحدر الى صفنا “الكائنة في جنوب نباري” واشف ذوي العاهات الموجودين فيها) فقام مع تلميذه نازلا وذهب الى قرية موردني التي كان فيها ثلاثة عشر من العميان والخرس فشفاهم. وكان في تلك القرية اسقف يدعى مار شملي وهو الذي كان القديس مار زيعا قد ذهب معه الى اورشليم فسمع هذا الاسقف بقدوم القديس زيعا واسرع اليهم للتبرك منهم فتعانقا وقبلا بعضهما وفرحا متنعمين بجنة الله واستولى الذهول على مار شملي للبهاء الذي شاهد على محيا مار زيعا وتلميذه تاور رغم النحول المستولى على جسميهما بنتيجة الصوم والصلوة والسهر فقال لهما (لماذا فعلتما كل هذا بنفسكما؟ يجب ان تأكلا قليلا للمحافظة على حياتيكما) فاجابه القديس زيعا قائلا (ولما نسمن اجسادنا بالاكل ليكون مأكلا للدود؟ اذ لابد ان يؤول الى الفساد والتلف).

وبعد هذا ودعا الاسقف مار شملي وذهب الى قرية اقديش (الكائنة في برور السفلى جنوب تباري) وكان هناك امرأَة فقيرة لها ابنة وحيدة مصابة بروح شريرة منذ خمس سنوات. فاتت بها الى القديس زيعا الذي رسم عليها الصليب ونادى الشيطان قائلا (اخرج خارجا يا لعينا) فخرج الشيطان بشكل ثور اسود وشفيت الصبية وقامت ذاهبة الى بيتها وهي تمجد الله فذهل الجمهور الذي شاهد حدوث المعجزة على يد مار زيعا وكانوا يأتون الى القديس بمرضاهم فيشفيهم.

وبعدها اتى الى قرية كوماني (بجوار تياري) وكان اهل هذه القرية اشرار لا يعبدون الله الذي ارسل اليهم وباء فكان يموت منهم خمسون شخص كل يوم ولا يوجد من يدفن موتاهم. حينئذ نهض القديس زيعا وقال لهم: (اذا اَمنتم لالله الحي وابنه يسوع المسيح وتركتم اعمالكم الشريرة فاني بعون الله ابعد عنكم هذا الوباء) فاجابوه قائلين (نعم يا سيدنا نؤمن بالهك ونترك افعالنا الشريرة) فجثا القديس على ركبتيه وصلى قائلا (ياسيدي يسوع المسيح الرجاء والصالح لبني البشر ابعد عن هؤلاء هذا الوباء لكي يروا ويؤمنوا بك) وفي تلك الساعة صعدت صلاة مار زيعا الى السماء ولم يمت في ذلك اليوم ولا واحد.واَمن اهالى كوماني بالله.

وكان في تلك القرية امرأة ارملة تدعى رفقة لها ابن اخرس واعمى فاتت المرأَة بابنها الى القديس فرسم عليه اشارة الصليب وللحال فتحت عيناه وانطلق لسانه فقفز ونهض على قدميه فذهل اهل القرية بهذه المعجزة وركعوا امام القديس وقالوا (المجد للمسيح الذي باسمه تصنع العجائب والمعجزات) وقام القديس وعمذهم باسم الاب والابن وروح القدس.

بعد هذا جاءه الملاك وقال له (قم اذهب من هنا الى قرية اريوش المنتشر فيها الوباء) فنهض القديس ومعه تلميذه وصعدا الى اريوش فوجد هناك كل يوم اربعة اموات والناس في بكاء وعويل فقاما كلاهما وصليا قائلين (ايها الرب الاله القوي ارحم سكان هذه القرية وارفأ عنهم رجزك وغضبك لكي يؤمنوا بك) وفي تلك الساعة زال الوباء.

وبعد هذا جاء القديس مع تاور الى باز ليسكن هناك لكنه لم يجد مكانا للسكنى لان الناس كانوا قساة القلوب. فتركهم وعبر الى ولاية جيلو ووجد فيها مكانا لائقا بجانب جبل دوراك (دوراخ و هو جبل واقع بين جيلو و كاور) وصاحب هذه الولاية كان بالاق بن الملك زورق. وفور وصول القديس زيعا الى جيلو قال التلميذ تاور (لنذهب الى الملك بالاق ونطلب منه مساعدتنا بعمال لبناء الهيكل، فخذ هذه القربة و املأها ماء للملك ) فملأ تاور القربة ماء وحملها على ظهره وذهب كلاهما الى الملك وسلم عليه فقابلهم الملك بالفرح والترحاب منذهلا من بهاء منظر القديس زيعا الذي كان يسطع وجهه نورا. فرفع مار زيعا يده ورسم علامة الصليب على القربة فتحول الماء الذي فيها الى خمر سماوي فقال الملك (ان هذا خمر سماوي وليس من انتاج الكرمة) ثم التفت الملك الى مار زيعا وقال له (اطلب مني ما تشاء فاصنع) واجاب القديس قائلا (حييت الى الابد فاني اطلب اليك تشييد بيت لي) اجابه الملك بالاق فرحا وقال (ها انا اهل ولايتي عبيد مماليك لك وما تطلبه منا ينفذ) حينئذ سجد مار زيعا للملك وقام وباركه قائلا (ليباركك الرب الاله الى الابد وجميع اعدائك يكونون موطيْ قدميك) ثم عاد القديس زيعا وتلميذه الى مكانهم.

نهض الملك وجميع قواته واهالى داسان العالية الذين قدموا لتشييد مسكن القديس زيعا. والمكان الذي اختاره له سكنا لم يكن فيه ماء. فضرب القديس الارض بعصاه وللحال نبع الماء من الجانب الشمالي للهيكل.

وكان هناك رجل يدعى ملكيصاداق من ولاية جيلو وله ابن مات في ذلك اليوم فحمله واتى به القديس كما اتوا برجل اخر اعمى من ولاية باز فقام القديس وصلى قائلا (يارب كما اقمت ابن الارملة في مديتة نائين كذلك اقم هذا الصبي من الموت) وفي تلك الساعة قام الصبي وسجد له. ثم رسم القديس اشارة الصليب على عيني الاعمى ففتحت عيناه وابصر فصرخ الملك بصوت عال وجميع ابناء رعيته معه قائلين (المجد لله خالق السماء والارض والتسبيح للمسيح الذي باسمه الاموات يقومون والعميان يبصرون) فاجتمع اهل داسان بالقديس وقالوا له (انظر الى هذا البلد فان الطاعون منتشر فيه) فقام القديس وفرض صوما وصلاة لثلاثة ايام الاثنين والثلاثاء والاربعاء وزال الطاعون ورأى القديس ملك الموت في الحلم فقال له: (لماذا تبيد رعية المسيح) وسمع الله طلبة القديس وصومه وصلواته وسحب الملاك يده من هذه القرية ومن ذلك اليوم لم تضرب تلك الولاية بوباء الطاعون بصلوات القديس واتوا بالعمال وباشروا ببناء الهيكل حيث كان يشتغل كل يوم الف عامل واعدوا اربعة وعشرين بغلا لنقل الصخور كما امر بنحر ثلاثين عجلا وخمسين خروفا لاطعام العمال. فتقاطر الناس من كبيرهم الى صغيرهم اربعة الاف نسمة وبنوا الهيكل وزين بكل جمال روحاني وانجز بناء الهيكل في ستة اشهر وثلاثة ايام ابتداء من ايار وحزيران وتموز واب وايلول وتشرين الاول وثلاثة ايام من تشرين الثاني. كمل بنيان هذا القمر المملوء حياة وصحة وشفاء لكل الملتجئين اليه اَمين.

وكان خارج الهيكل صخرة سوداء تجري من تحتها المياه فسد الملك بالاق هذه المياه الجارية تحت الهيكل بصلاة القديس.

نهض الملك صباحا مستعدا للرجوع الى مقره  فجاء الى القديس طالباً بركته فرفع القديس يده فوق رأس بالاق وقال (الله رب الكل يبارككم وجميع بركاته ونعمه السماوية تحل عليكم فتكون مباركين بربنا ومبارك مجيئكم الينا ويكون اعداءكم كالتراب تحت ارجلكم ولاتجدون من يعاديكم) فاجاب الشعب كله وقال (اَمين) وتعانقا ثم قال له القديس (اذهب بسلام والله رب الكل يكون معك جميع ايام حياتك اَمين).

ذهب الجميع الى بيوتهم وبقي القديس وتلميذه في المعبد وكانوا كل يوم يأتون اليه بالمرضى وذوى العاهات فيشفيهم بقوة ربه حيث شفى الفي مريض واعاد الحياة الى مائتين وثلاثة اموات. بقي القديس وتلميذه سنتين وتسعة اشهر واخيراً تمرض تلميذه ثلاثة ايام وبعدها توفي وكان له من العمر تسعون سنة وثلاثة اشهر. حينئذ قام القديس زيعا واخبر جميع سكان جيلو الذين اتوا مسرعين فاخذوا جسد القديس تاور فكفنوه ودفنوه في الهيكل الخارجي وحزنوا عليه ثلاثة ايام وكانت وفاة مار تاور في اليوم الاول ممن شهر ايلول.

وبعد هذه استمر القديس زيعا على البكاء مدة ثلاثة اشهر حزناً على فقد تلميذه. وعاش مار زيعا مائة واثنتين وعشرين سنة ثم علم بنفس ان قد اقترب موعد انتقاله من هذا العالم فدعا جميع المؤمنين ليودعهم الوداع الاخير فسمع جميع سكان جيلو واسرعوا لرؤيته  فقال لهم (هلموا بالسلام ايها المؤمنون المباركون لاعلمكم اني منتقل من هذا العالم) فرفعوا اصواتهم بالبكاء المرير وطلبوا منه ان يبارك هذا البلد وساكنيه .حينئذ قام القديس باكياً وتضرع الى الرب الالة قائلا (يا فاحص القلوب لك يا الله اسجد ومنك اسأل المراحم لهذا الوطن وساكنيه ولكل انسان يذكر اسمك القدوس ايها الرب الاله القوي واسم عبدك زيعا. ابعد عنهم البرد والجوع والطاعون) وسمع صوت من السماء يقول (لقد ابعدت وسوف ابعد عنهم كل مكروه) ثم فتحت السماء ونزل روح القدس وحل على القديس زيعا فانار وجهه كوجه ملاك ونظر الى السماء ورأى المسيح جالساً عن يمين الله وقال (يا سيدنا يسوع المسيح كل مايصفون ذكرى عبدك ويذكرون اسمك القدوس واسم عبدك زيعا ابعد عنهم وعن وطني كل المكاره كل المكاره كالقروح والامراض الجسمية والروحية).

وبعد هذا تمرض القديس يوما واحدا ورفع يديه الى السماء وقال(بيدك يارب اسلم روحي) واسلم  روحه بيد ربه فنزل الملائكة وحملوا روحه بالتهاليل واصعدوها الى الملكوت السموات.

اجتمع اهالي جيلو واخذوا جسد القديس زيعا واحتفلوا بتعطيره بالازهار والبخور وتكفينه وصلوا عليه ثلاثة ايام بلياليها ووضعوا جثمانه المقدس في الهيكل الداخلي فكان مولد القديس زيعا يوم صعود ربنا اما يوم وفاته فكان في يوم الاربعاء الاول من كانون الثاني.

بصلاته يتم الامن و السلام في جميع اقطار المسكونة وعلى الاخص في هذا الوطن المحفوظة فيه رفاته و في كل اوان و الى ابد الابدين آمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *