• 28 November, 2022 08:58

Karozota.com

Sweden

قصة بيع مار توما الرسول

Bykarozota.com

Jul 18, 2012

في شعر القديس مار يعقوب السروجي الملفان

تمهيد:

بعد أن قام مار توما الرسول بجولة تبشيرية واسعة النطاق، عمت معظم بلاد المشرق، ختم رسالته في بلاد الهند، فهو أول من وضع حجر الأساس في صرح المسيحية في تلك الديار، ورفع فوقها لواء الانجيل، لذلك نُعت برسول الهند٠
ان قصة ذهابه الى الهند يرويها التقليد الكنسي على النحو التالي: ألهم الروح القدس الرسل الاثني عشر فعقدوا اجتماعاً طارئاً في العلية السرية، وافتتحوه كالمعتاد بالصلاة، ثم أوحي اليهم أن يقترعوا على أقطار المعمورة فأصابت مار توما الرسول بلاد الهند. فاغتمّ كثيراً، وعظم عليه الأمر جداً، وأخذ يحاجج زملاءه ويناقشهم بعنف متمنعاً عن الذهاب. وفيما هم كذلك، بلغه أن تاجرا يدعى حابان أمَّ هذه الديار موفداً من قبل ملك الهند. فأراد الرسول توما أن يتصل به ليستفسره عن أوضاع الهند. وبينما كان شاخصاً اليه، تراءى له الرب بهيئة تاجر، أمسكه بيده، وأدخله الى حابان وقال له: انه أحد عبيدي، وهو نجار ماهر، يمكنك أن تشتريه ان كنت بحاجة اليه. فاشتراه حابان ودفع ثمنه.

هذه هي الرواية التقليدية لهذه الحقيقة، غير أن الملفان مار يعقوب السروجي تناولها وسكبها بقالب شعري بديع، مزج فيها الخيال والعاطفة، واختلق لها صوراً رائعة، وأضفى عليها فناً أدبياً رفيعاً، حتى أخرجها ترفل بحلة زاهية قشيبة، تلتمع فيها خيوط ذهبية من تارخ وأدب ودين.

استهوتني قصيدة السروجي هذه، ما حداني أن أستخلصها وأعرّبها وأقدمها للقراء لوناً من ألوان الشعر السرياني البديع، بأسلوب حواري ممتع يؤثر في النفس والقلب والروح، وأنا أبغي من وراء ذلك أن أنبه القارىء الى ما يحويه الادب السرياني من روائع وفرائد وما حفلت به الثقافة الآرامية السريانية من الكتابة الجميلة والتفكير الرفيع.

 

الاســتهلال… منـاجــاة

يستهل الشاعر القصيدة مأخوذاً بعاطفة دينية روحية، فيجثو أمام عرش النعمة ساكباً قلبه وروحه، متوسلا الى الله ليسعفة بارشاد روحه القدوس كي يتحدث عن هذا الرسول العظيم الشأن، ومما جاء في مناجاته: أيها المسيح، يا من حررت الجنس البشري من العبودية بواسطة بيعك، أطلق لساني من عقاله ليتحدث عن التلميذ الذي بعته عبداً رقيقا. يامحرر العبيد الذي شاءت حريتك أن تصبح عبداً، هب لي أن أتحدث عن ابن الأحرار الذي صار عبداً.

 

الـولوج في الموضوع .. مفاعيل الروح القدس

بعد أن حلّق النسر الجبار، المسيح الاله، الى عشه في السماء، أرسل روحه القدوس الى تلاميذه في العلية السرية بحسب وعده لهم، فملأهم قوة وبسالة وجبروتاً، واستقرّ على كل منهم بشكل ألسنة نارية، ومنحهم قوة تفسير الأسرار الغامضة وشفاء الامراض المستعصية. أجل في تلك العلية تأسست الكنيسة، وانبعث منها صوت الانجيل، وتفجّر في وسطها ينبوع الخلاص، والتمعت في سمائها أنوار الهدى.

لقد اضحى الرسل أجنحة لتلك الحمامة التي استقرت على المسيح عند عماده، فحلّقوا في أجواء المسكونة عاليا، وكان اصطكاك أجنحتهم يُسمِع البشرية أهازيج الفداء، وأنغام الحرية، وأغاني الخلاص وملكوت السماء.

 
اجتمـاع مفاجئ

أوحى الروح القدس الى الرسل فاجتمعوا في العلية دون أن يعرفوا سبب اجتماعهم ودون أن يفهموا من أمرهم شيئاً، فتدرعوا بترس الايمان وتمنطقوا بالرجاء واستعدوا للصلاة، والتضرع والابتهال يطلبون ولا يعلمون ما يطلبون “ولكن الروح نفسه كان يشفع فيهم بأنّات لاتوصف”. وفي خلال الصلاة استنارت أذهانهم فأنزل عليهم الوحي الالهي ما ينبغي أن يفعلوه.
شاءت حكمة الله أن توزع في ذلك الاجتماع أقطار المسكونة بين التلاميذ لينادي فيها كلُّ على انفراد، وذلك لاعتبارين: اعتبار عالمي واعتبار روحي، فبالنسة الى الاعتبار العالمي، ليكون عملهم واضحاً، وليحثهم على السعي والتفوق، وليُعرف الخامل من النشيط. وبالنسبة الى الاعتبار الروحي، لتظهر قوة الله في الضعف، ولينتصر الانجيل بأعجوبة لا باستخدام الوسائل العالمية المألوفة. فشبه الشاعر الرسل بالحملان، والعالم بالذئاب الخاطفة وقال: جمع الراعي أغنام قطيعه الى العلية، وأمرهم أن يتوجهوا الى الذئاب الخاطفة أحادا لاسوية، لئلا يتعرضوا للاتهامات الباطلة وينسبوا نصرهم الى أمور بشرية محضة. ولكن ذلك كان مخالفاً للواقع، لأن الغنم كلها لاتستطيع مقاومة ذئب واحد، ما لم يرفع الراعي عصاه ويُرعب الذئب. ان ذئباً واحداً يقدر أن يفترس ألبف حمل. بينما هنا في خراف المسح، فان حملا واحداً انتصر على ألف ذئب، وذلك بقوة الحمل الذي ثغى فوق قمة الجلجلة٠

 

الاقتـــراع… حصيلة الاجتماع

تم توزيع أقطار المسكونة بين التلاميذ بموجب “الاقتراع” وهي الخطة التي رسمها الروح القدس بالذات ونفذها الرسل القديسون. فألقوا القرعة وكانت على الوجه التالي: أنطاكية لبطرس، افسس ليوحنا، أورشليم ليعقوب، اليهودية لمتى، أما توما فكانت الهند من نصيبه.

 

موقـف تومـا مـن الاقتـراع

وقف توما من ذلك موقف المخاصم المحتج وكأنه يمثل دور النبي يونان. وأخذت تطوف صور الهند السمجة في خياله، شعب بربي تتطاير منه شرارات الغضب، وجوه سوداء قبيحة المنظر، قوم شرير سيء الخَلق والخُلق، قاسي الطباع عنيفها، ان القبر يكره أن يضحك لهم، قلوب اشد صلابة من الصخر، لغة غريبة كل ذلك جال في خلده، فاحتقر من ثم الهند وانبرى للجدل والاحتجاج. تأمل في انطاكية برياضها الغناء وخمائلها الفيحاء، فاشتد احتقاره للهند، تخيل افسس بجمالها الأخاذ وفتنتها الساحرة، فما كان ذلك الا ليزيده كرها للهند “الفاحشة القذرة”، وغضباً على أهلها. لقد تعين برتلماوس أستاذاً لاثينا مدينة الفلاسفة وتبوأ متى مكانته بين علماء اليهودية واهتز فيلبس سروراً، وتاه ابنا زبدى فخراً. وهكذا جميع الرسل فرحون مطمئنون، الا توما، فقد بدا كئيباً مُطرقاً.

 

حـوار مـا بين الرسـل وتومـا

تطلع الرس الأحد عشر الى توما ورأوه في هذه الحال المؤلمة، فدار بينهم الحاوار التالي…

الرسل: مابك أيها الزميل الحبيب مغتماً كسيرا، ولِمَ علت الكآبة محياك وبدت عليك سيماء القلق والاضطراب؟ انظر كلنا بهج ومغتبط، ازاء عمل الروح القدس الذي ألهمنا أن نقترع ونوزع الأقطار بيننا فعيّن لكل حصته، فابتهج معنا يا أخانا الحبيب.

تومـا: الابتهاج لكم، والغبطة من نصيبكم أما أنا فليس لي الا الألم والبؤس، ومن كانت الهند قرعته فهذا شأنه.

الرسل: ان أمر المسيح لا رد له ولا دفع ولا مجال لمقاوم ومعتذر، انسجم مع الأمر واذهب بلا تردد.

تومـا: أمر المسيح؟ أنتم اقترعتم وتغسلون أيديكم وتقولون أمر المسيح! إرادة الله! عمل الروح القدس! لن أذهب الى الهند أبداً. أفهمتم؟!.

الرسل: لاتهذِ يا توما انه أمر المسيح حقاً.

تومـا: لماذا يفرض عليّ المسيح هذا الأمر الصارم؟ المسيح لايفعل هذا أبداً.

الرسل: هذه حكمته التي لا تُدرَك، من يعلم ربما لأنك شككت في صحة قيامته باديء بدء، وذاع خبر شكّك هذا في كل مكان. ولا يستطيع أحد غيرك اقناع المرتابين العنيدين، انك وحدك تصلح لهذا الامر، ان ذهبنا كلنا هناك قد لايصدقوننا، فذهب وحدك أنت وناد هناك في الهند قائلاً: ” لقد رأيته بعد قيامته ووضعت يدي وأصابعي في جنبه”.

تومـا: انه لتعليل سقيم جداً لايدعمه منطق ولا تسنده حجة. اذاً كيف ستبشرون في العالم بدوني؟ ان كان قبول الناس للكلمة مرتبطاً بمناداتي فقط، فامكثوا أنتم هنا ولا تبرحوا أورشليم، ولا تتحملوا الأتعاب وتتجشموا عناء السفر فسأنطلق أنا وحدي ليس الى الهند فحسب بل الى كل العالم. اذا كانت الهند تتطلب توما لأنه شك وجسَّ وآمن، فانطاكية لاتصدّق بطرس، وأثينا لا تقنع بمناداة برتلماوس، وافسس ترفض أن تسمع الى يوحنا.. أنا لا أذهب الى الهند دون غيري انه أمر فوق طاقتي وأعلى من قدرتي.

الرسل: أخيراً يا توما نحن لم نجتمع للجدل بل للعمل.

تومـا: ان حل المعضلة ليس كما تقولون.

الرسل: كيف اذن.

تومـا: اما نقترع ثانية أ نذهب معاً، أو دعوني من الذهاب الى الهند. نعم أريد اقتراعاً بالعدل والقسطاس لتكشف الحقيقة، أريد أن تكون قرعتي مماثلة لقرعتكم. فان أصابتني الهند فسوف لا أعاند بل أرضخ لأن الأمر من الله، لايمكن أن أكون بعلاً لليّة كليلة البصر ما لم آخذ معها راحيل جميلة المنظر.

أنا لا أرى في الهند جواَ ملائما للوعظ والارشاد بين قوم أشرار، الرسالة في الهند ستكون محفوفة بالمخاطر مليئة بالصعاب. لذلك فهي تحتاج الى جهد تعجز عنه قوتي والى نشاط لست أنا من أربابه. أنا لاأكفي وحدي لهذا العمل الشاق الواسع ليتطوع الجميع. انها أرض مليئة بالحسك والأشواك مفعمة بالأدغال وأنا وحدي لا أستطيع أن أحرث وأقلع وأزرع وأسقي. ما أكون قد بدأت بحرث الأرض، حتى تكون أشجاركم مثقّلة بالأثمار، ولا يمضي على تبشيركم وقت قصير، حتى يصبح تلاميذكم مبشرين يعدون بالمئات والألوف، بينما أنا لم أكن قد بدأت ولو باعلان اسم المسيح وحده. صدقوني أنا الى الهند لا أذهب ما لم نذهل معاً. ومن ظنّ أني سأقبل ذلك فقد ضلّ ضلالا. اتهموني بالخمول، بالعجز، بالاهمال كيفما شئتم.

الرسل: خذ الأمر بقوابله يا توما. بل ضع مقياساً لكل كلمة تلفظها. لماذا تلومنا نحن التلاميذ. نحن براء من كل ما حدث، أن يسوع يرسلك الى الهند لا يوحنا، وابن الله قد عيّن لك هذه البقعة من العالم فما دخل برتلماوس؟ وكل ما تمّ انما تمّ بارشاد الروح فارفع اللوم عن ابني زبدى. اترك الجدل والاعتذار واهجر العناد والاصرار واهب وبشر في الهند وقل لهم “لقد اقترب منكم ملكوت السموات” نحن كاخوة لك نرشدك وننصحك ألا تقاوم الحق بل تشجّع وكن جندياً أميناً للمسيح يجابه الحرب ويتصدّى للعدو وجهاً لوجه. لنا فيك ثقة بأنك ذكي الفؤاد، ذلق اللسان راكز التفكير.

تومـا: قلت لكم لا أستطيع أن أفعل هذا اذهبوا أنتم فانكم تفوقونني ذكاء ومهارة وشأناً ومكانة. أنتم السابقون في الرسالة وأنا السابع لاتسترسلوا في النصح والتوجيه، كل هذا مفهوم بالبداهة، علموا الأمم  وأظهروا طريق الخلاص للضالين، أما أنا فقد تعلمت كل شيء من سيدي، فقد طمر في قلبي زرع كلمته فلست بحاجة الى تعليمكم وارشادكم، اذهبوا الى الهند ووجهوا وعلموا، أما أن اذهب أنا فذاك أمر مستحيل، مثلي مثلكم.

الرسل: يظهر انك مفطور على الخصام ومجبول على العناد، وان قاموسك لايحوي سوى هاتين اللفظتين. هذه ليست أول مرة تعاند وتخاصم، بالأمس وقعت في أزمة الشك وكادت أمواجه تُغرقك فيُمحى ذكرك من سفر الأيمان. واليوم تعود وتغوص في أعماقه ثانية. احذر الغرق. ان تاريخك معروف يا توما وماضيك ليس بخاف ولكنك عبثاً تحاول التملّص والتنصّل.

تومـا: أرجو ألا تقذفوا فيّ التهم الباطلة. لا حق لكم أن تعيّروني على شكي أبداً. ان حرية الرأي هي من حقوق الفرد. لا أرضى أن يعاد هذا الكرم ثانية، انا لست أقل منكم حباً للمسيح، رسول مثلكم وأكثر، أنا لم أنكره كبطرس، ولم أسع وراء مآرب عالمية مثل ابني زبدي. رجاء نحن في موضوع نقاش لا في موضوع هجاء.

الرسل: قلنا لك نحن لن نجتمع للجدل بل للعمل كفاك، كفاك لاتقاوم الحق لاتلق بذار الشك بين صف التلاميذ ثانية ولا تحدث شقاقاً في وحدة الرسل. ولا تكن مثالاً سيئاً. لغيرك. لقد أُنيطت بنا اذاعة كلمة الله فلا تكن عائقاً في سبيل ذلك. فان لم ترضخ وتحطم عنادك على صخرة الطاعة فلا يمكن أن تدعى تلميذاً للمسيح.

تومـا: قلت لكم ان المعضلة لاتنحل الا اذا اقترعنا ثانية، أو نذهب كلنا معاً. يجلس بطرس مع زملائه يصطاد السمك ويمتع النظر بمفاتن الطبيعة الساحرة، ومشاهدها الخلابة، يستمع الى خرير الماء وزقزقة العصافير، يستنشق روائح زهور أنطاكية ورياحين اليهودية، وتوما يذهب الى أرض الجن والأبالسة!! أنا مستعد أن أطوف العالم كله مبشراً الا الهند فلتكن لكم، أنا جاهز أن أبشر الحيات السامة ولا الشعب الهندي، لا بل اذهب الى سدوم، فمن الآن لا تسمعوني خبر الهند كفى. كفى.

 

مفـاجـأة مدهشة…

انتهت المحاورة بين الفريقين، وتوما لم ينفك عن عناده. فاذا بصوت هامس يباغته، هو صوت المسيح يكلمه بلهجة نصفها لوم ونصفها تشجيع ومواعيد قائلاً: توما، توما، لقد وقعت على كل ماجرى بصدد جدالك مع أخوتك وعنادك القوي. وهنا وجم توما وعراء الذهول وجمد الدم في عروقه. ثم استطرد الصوت: تشجّع ولا تخف. أنا وحدي أستطيع أن أهدي روعك وأمنحك ما تريد. ان بطرس ويوحنا لعاجزان عن ارضائك، لِمَ لم تلقَ سؤلك؟ لِمَ تخاصم وتشاجر؟ وهنا انقلب الموضوع الى حوار ما بين المسيح وتوما.

المسيح: لقد دعوتك لأمر خطير، لتنشر اسمي في الهند، وسأكون ملازماً لك هناك، أدعمك وأمد لك يدي، تماماً مثلما فعلتُ مع موسى في مصر. سأجعل ملك الهند فرعونا ثانياً وسيرى آيات ومعجزات تعمل على يديك. ان موسى قبض على العصى أما أنت فستقبض على الصليب بالذات. تشجّع وكن أسداً وازأر في غابات الهند وسوف نرى كيف ستشتت من زئيرك الثعالب الصغار هنا وهناك وتختفي في كل غارحالك ووجر قاتم.. لاتلق الملامة على اخوتك فانهم براء. أنا الذي عيّنت الهند مسرحا لرسالتك، وقد تم الاقتراع بحسب توجيهي وارشادي.. توما، لاتحسد اخوتك على افسس وانطاكية. لقد اعطيتك كرسيا، وأعددت لك مجداً مؤثلاً. لم ينل زملاؤك ما حزته أنت، لم يجس جنبي بطرس ولا ابنا زبدى، حتى ولا يوحنا الحبيب الذي اتكأ على صدري. سأبيعك كعبد لأنك شككت في قيامتي. سأكتب لك صك العبيد موقعاً بأسمي تحت اسمين مستعارين، أنا ابن يوسف وأنت لابان. وكما اني لست ابن يوسف ولا أنت لابان كذلك وعبوديتك أيضاً مجاز لاحقيقة. ان هذا ما تقتضيه الرسالة. ان الاسخريوطي باعني للموت وقبض ثمني، أما أنا فأبيعك للحياة، لأحررك. لك الفخر بهذا يا توما، أي “حسب التلميذ أن يكون كمعلمه”.

 

موقف توما ازاء البيـع

هنا فارق العناد توما، ولكن حلّ محله التعلل. سمع انه سيذهب الى الهند ويُباع كعبد فصُعق على ذلك، وعراه ذهول كبير وامتلأ خوفاً ورهبة وبدأ يبكي دماً. بدا له نصيبه يعجّ بالمصائب، فأخذ يلتمس من المسيح بصوت واجف معتذراً مرتعداً كابراهيم قائلا: ان لم يكن هناك مجال لتبدل الهند بمحل آخر سيدي فسأذهب مسروراً مغتبطاً طالما هذه هي ارادتك الألهية. سأذهب وحدي. أنا رهن ارادتك ربي والهي، ولكن دعني رباه أن أذهب حراً طليقاً لاعبداً رقيقاً. لاتجعلني صنواً لكنعان. انه يصعب عليّ أن أكون في مستواه. ذاك أتى عملا شنيعاً أما أنا فلم آت ذنباً يستوجب أن أُباع عبداً، وأنت العالم بكل شيء لاتظمني في مرتبة العبيد، فاني تلميذك الأمين ورسولك الوفي.

يبكي وينهمل دمعة ويقول: سيدي، تلميذك يُباع ويُشرى؟! سيسمع الناس ويؤولون هذا تآويل شتى تتفق وغاياتهم العالمية ونواياهم الدفينة تحت نيران الحقد. من يعلم، ربما سيعزون الأمر الى حاجتك في حين انك غير محتاج. فان كل غنى العالم هو لك. لقد نهيتني عن أن أحمل عصاً أو مزوداً، فلِمَ اشتهيت ثمني سيدي؟! لو كنت أُباع على أساس سد الحاجة لكنت بذلك مسروراً سعيداً. سيدي، أخشى من اشاعة هذا الخبر بين اليهود والأمم فتكون قهقهتهم عالية. سيلحقنا ازدراء هؤلاء ويصيبنا تعيير أولئك. لاتفسح المجال ليقولوا ان المسيح باع تلميذه عبداً.

الرسالة والعبودية نقيضان، لايمكن أن يلتقيا ويجتمعا على صعيد واحد. أجل لايمكن أن أكون رسولاً وعبداً في آن واحد. فان كنت عبدا فارفع عني الرسالة لئلا تفقد معناها، وتذهب كرامتها.

لقد خصصت لي كرسياً مع اخوتي الرسل لادانة أسباط اسرائيل الاثني عشر، فكيف يصح أن يتربع العبد على العرش ويدين؟!.
لقد وُلدت حراً طليقاً، فلو حدث أن كان الأمر على خلاف ذلك، لكنت أتحرر بك. لقد حررت جنس آدم الذي كان مستعبداً، وتحرر الجميع بدمك المقدس. كيف لا وقد أعلنت جهاراً اننا قد أصبحنا أحراراً فلا عبودية بعد اليوم. فما بالك تجعل الحر عبداً للعبيد؟!.

سيدي: اجعل مكاني من مكان اخوتي الرسل رسولا. فان كانت العبودية أمرا ضرورياً للرسالة، فاجعل من زملائي أيضاً عبيداً، وبع الكل. حينئذ لا أعارض ولا أجادل. أرني صك عبودية بطرس ويوحنا، وسجلني من ثم عبداً ثالثاً. أقبض ثمن فيلبس أمام عيني وبعني بأبخس ثمن. بع يعقوب وبرثلماوس لسيد واحد رحيم، وبعني من ثم لعشرة أسياد قساة. أنا لا أبغي أن أجعل من زملائي عبيداً، انما أرغب في أن يكون الجميع جسداً واحداً بروح واحدة وأنت، أنت الرأس٠
سيدي: ان كانت ارادتك الألهية تأمر ببيعي لوحدي دون زملائي. فها أنذا أرسلني حيثما تشاء، وكيفما تشاء. ادع سيدي ليستلمني، فأنا حاضر. الموت سعادة من أجلك، وتحمّل السيف والنار من أجل اسمك حياة. انما رجائي ألا تتركني وحدي.

السـيد المسـيح: تطلع السيد المسيح الى توما فرأى قلبه قد ذاب فرقاً من هول الأمر، ففاض حنانه، وجاشت رأفته. أجل رآه وقد أوشك أن يغرق في لجج القلق، تماماً مثل بطرس. فمد يده الحنونة وأنقذه. أرعبه الذهاب الى الهند، وبالأخص أن يذهب عبداً، أكثر من رهبة البحر. فبدأ يوبخه بلهجة رقيقة ملؤها العطف والحنان قائلاً: تشجّع يا توما: ما بالي أراك واجفاً وقد خارت قواك؟ علام العَبَرات والبكاء؟ انك تبرهن بهذا على قلة ايمانك وفتور محبتك. يظهر أنك لاتثق بوعودي الصادقة، ولم يؤثر فيك كلامي قيد شعرة. كان عليك ألا تحاجج ولا تتعلَّل. ان الرسول الحقيقي لا يتعلل ولا يحتج ولا يماحك أبدا. والرسالة الحقيقية تدعمها الطاعة العمياء.

لايعظم عليك بيعك عبداً، ففي الأمر سياسة وخطة، تماما مثلما حدث ليوسف الذي طرحه أخوته في الجب، وباعوه كعبد، وسيق الى مصر كمجرم، مكبل بالأغلال ومهان. ولأنه كان متكلاً عليّ فقد اعتلى عرش الملك وقبض على الصولجان. تأمل أنه بيع من قبل أخوته ولم يتذمر، أما أنت فيبيعك سيدك! وبدلاً من العرش الأرضي، فقد وعدتك بعرش سماوي، وبدلاً من حلة الديباج والحرير، فقد أعددت لك أكليل البهاء وحلّة النور. وبدلاً من هتافات المنادين: “عش أيها الملك”، فسيبتهج بك الملائكة الروحيون قائلين: مرحبـاً: بالرسول الأمين. وبدلاً من اشباع مصر خبزاً، سيشبع الهنود روحاً وحياة٠
لو عَلِمتَ يا توما، أي أكليل ينتظرك في السماء، اذن لبادرت الى الهند على جناح السرعة.

أجل، لو علمت أي مجد قد أُعدّ لك عند أبي، لَطفتَ الهند مرات عديدة.. ان مافي الهند من مصاعب وأخطار وآلام، تتضاءل كلها أمام البهاء الذي سيكتنفك في السماء.

النهــاية:

تومـا يرضـخ مسـروراً أبصر توما الحق، وعاد الى الصواب، ودبّت القوة في نفسه، وزال عنه الخوف، هتف مسروراً مغتبطاً: أنا في خدمتك سيدي، وطوع بنانك.

لقد التهبت شوقاً الى أن أُباع عبداً، فحرر صك عبوديتي ووقع عليه بامضائك، وبعني الى عشرة أسياد. وان كان هنالك أمر أشد من العبودية، وأقسى، فأنا مستعد لأقبله. لقد أثار فيّ كلامك الالهي، الشجاعة والعزم على احتمال المكاره والمصاعب، فسأنزل الى معترك البشارة مغتبطاً وأقتحم الحرب ما بين انجيلك والوثنية فرحاً مبتهجاً. لا أخشى الردى ولا أهاب الموت، ولن ترعبني قوات العالم مهما عظمت. وسأعلن صارخاً بأعلى صوتي انك المسيح، الاله الحقيقي الذي نزل من السماء وتجسّد وتألّم وصُلب ومات وقام من القبر، وأنا عبدك، لك المجد الى أبد الآبدين آمــين.