القديس مار نسطوريس وتعاليمه – الحلقة 4

الأركيذياقون د. خوشابا كوركيس

مجمع أفسس السيء الصيت (مجمع اللصوص) 1

الدعوة لعقد المجمع: أصدر الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني في 19 تشرين الثاني 430 م إعلاناً عاماً باسمه وباسم زميله في الغرب فالينتاين الثالث، إلى عقد مجمع عام في مدينة أفسس في مناسبة عيد العنصرة من السنة التالية. وقد وجه هذا الإعلان إلى مطارنة كافة المقاطعات دعاهم فيه إلى التجمع في أفسس في عيد العنصرة من سنة 431 م، وسمح لكل مطران أن يرافقه بعض المعاونين المقتدرين من الأساقفة. وفي رسالة الإمبراطور إلى قورلوس يتهم فيها الأخير بتعكير الأمن وإصدار تفوهات غير لائقة والإخلال بمفهوم الصراحة والنزاهة في العمل وبلبلة كل شيء. ويلوم قورلوس على قيامه بمراسلة بولكاريا ويوديشيا وبذله المساعي بطريقة خفية ومن خلال هذه الرسائل لوضع مخطط دنيء لزرع روح التمرد في العائلة الإمبراطورية.

وكانت النية الصافية للإمبراطور بدعوته لعقد المجمع هي لوضع حد نهائي للنزاع المندلع حول المبادئ، كما أن رغبته كانت في أن يكون ذلك المجمع مسكونياً وعالمياً، وطلب بوجه خاص من قورلوس حضور المجمع لأنه لم يعد يحتمل “بأن يصبح أي كان حاكماً ولا يستشير الآخرين ولا يسمح لنفسه أن يتعلم شيئاً منهم”. هذا وبعث الإمبراطور برسالة خاصة إلى أوغسطين أسقف حلب الشهير دعاه فيها إلى حضور المجمع في أفسس لأنه (أي الأخير) كان يعتبر من أعظم اللاهوتيين في ذلك العصر. وحينما وصل أبجينوس الذي أوكلت إليه مهمة إيصال الرسالة إلى مدينة حلب، كانت أخبار موت أوغسطين قد وصلته.

رسائل قبل انعقاد المجمع: عندما استلم قورلوس دعوة الإمبراطور لحضور المجمع المزمع عقده في أفسس، كتب قورلوس إلى البابا ملتمساً منه النصيحة حول أعمال المجمع وسائلاً منه إذا سمح لنسطوريس بالظهور في المجمع المقترح كعضو وفيما إذا كان حكم التنحية المعلن بحق نسطوريس قانونياً. إلا أن البابا وفي رسالته الجوابية المؤرخة في 2 أيار 431 م نصح قورلوس ببذل ما في وسعه لصيانة السلم في الكنيسة والسعي لكسب نسطوريس إلى طريق الحق. وفي 15 أيار 431 م كتب البابا إلى الإمبراطور يعلمه بعدم تمكنه شخصياً من حضور المجمع وناشد الإمبراطور أيضاً بمنع ظهور البدع، كما طالبه باعتبار الدين أرفع شأناً من الدولة، واعتبار السلم في الكنيسة أهم من السلم بين الأمم. هذا وأن عدم حضور البابا شخصياً المجمع، كان من سيرة الباباوات المتمثلة في تجنبهم الحضور شخصياً مجمعاً عاماً، وعلى ضوءه بعث البابا سيليستين مبعوثين عنه لحضور المجمع في أفسس.

هذا وكان الدور الذي وجب أن يضطلع به المبعوثون الباباويون في مداولات المجمع قد حدد بوضوح، إذ يسمح لهؤلاء المبعوثين المشاركة في الاجتماعات ولكن من دون التدخل في المناقشات، وكانوا مخيرين في إعطاء حكمهم على آراء الآخرين، وطلب منهم أيضاً مصاحبة قورلوس في رحلته إلى القسطنطينية لمقابلة الإمبراطور بغية تسليم الأخير الرسائل الباباوية.

محامي المجمع: بما أنه لم يكن في استطاعة كل من الإمبراطورين ثيودوسيوس الثاني وفالينتاين الثالث حضور المجمع، عليه فقد تم تعيين الكاونت كانديديان قائد الحرس الإمبراطوري محامياً للمجمع، ومن المحتمل أن سبب وقوع الاختيار على كاديديان يعود إلى أنه كان من أفضل الشخصيات قبولاً لدى الجميع. وليست لدينا أي سجلات تدعي أن تعيين كانديديان تم حسب توصية نسطوريس. وقد أصدر الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني مباشرة بعد تعيين كانديديان تعليمات خاصة ألزم بموجبها الأخير بعدم التدخل في المناقشات التي تخص القضايا المتنازع عليها في الأمور الدينية. وأصدر الإمبراطور أيضاً توجيهات معينة تتعلق بتصرفات الرهبان المصريين، هذا وكان الإمبراطور قد توقع احتمال اندلاع نزاع داخل المجمع. ربما لأنه أي إمرء تآلف مع الخدع التي مارسها ثيوفيلوس الاسكندراني ضد كريستوم، لا يستبعد هذا الاحتياط ضد ابن أخي ثيوفيلوس أي قورلوس الاسكندراني.

وصول نسطوريس وقورلوس: بدأ نسطوريس رحلته قاصداً أفسس لحضور المجمع قبل أن يوفد البابا مبعوثيه من روما وقد رافقه عشرة أساقفة وعدد من أصدقائه. ومن ابرزهم الكاونت أرانيوس الذي رغم مجيئه إلى أفسس إلا أنه لم يشارك في أعمال المجمع ولا في بعثة كانديديان. ويصف سقراط وصول نسطوريس قائلاً “بعد الانتهاء مباشرة من الاحتفال بعيد الفصح. بدأ نسطوريس رحلته إلى أفسس مع حشد كبير من مؤيديه لغرض حمايته. وحينما وصل أفسس وجد هناك حشد كبير من الأساقفة”2. هذا ولم يتلقى نسطوريس أي ترحيب من ميمون أسقف أفسس، وذلك لانحياز الأخير إلى جانب قورلوس. ويحتمل أن نسطوريس قد قام بمحاولة كسب تأييد أهالي أفسس، إلا أنهم ضلوا إلى جانب أسقفهم ميمون.

أما قورلوس فقد رافقه خمسون أسقفاً كانوا يمثلون – إستناداً إلى كيد- نحو نصف عدد معاونيه. وسار معه جيش كبير من الحرس أشبه ما يكون هيرودس، فوصل أفسس في الثاني أو الثالث من حزيران، وفي رسالة إلى رجال كنيسته بعد وصوله أفسس قال قورلوس أنه يتوق شوقاً إلى المباشرة الفعلية لأعمال المجمع. ويمكن معرفة تفاصيل الأشخاص الذين رافقوا قورلوس من الكلام التالي:- “بلغ عدد الذين وضعهم قورلوس في لائحة مرافقيه خمسون أسقفاً، إضافة إلى عدد كبير من رجال الكنيسة الأقل رتبة دينية، وعدد آخر من المسؤولين في الكنيسة، وفوق كل هذا أضاف بعض الرهبان الذين كان أشهرهم شنودة الذي كان يبلغ من العمر 100 عام والذين قدم من ديره الواقع في أعالي النيل. وقت صوت كل هذا الحشد إلى جانب قورلوس بطريركهم. وكان الرأي السائد في أذهانهم جميعاً هو السير تحت لواء قائدهم لقتل تنين الجحيم”.

ولما وصل قورلوس مع أسطوله المصري إلى أفسس، بدأوا يبذلون المحاولات لكسب المؤيدين. هذا وكان قورلوس يحمل من بعد نسطوريس أعلى درجة دينية بين رجال الدين الذين وصلوا أفسس. وقد اعتبر قورلوس نفسه أكثر صلاحيات من نسطوريس، لأنه مخول من قبل البابا. وكانت هذه الصفة المزدوجة هي التي أقنعته للمضي قدماً بافتتاح المجمع في 22 حزيران 431 م، كما سنرى فيما بعد. ولم يبذل قورلوس أي جهد للقاء نسطوريس أو لحل الخلاف بينهما. بل بدأ بالتشهير وبث الدعايات العدائية والروايات الدنيئة ضد نسطوريس. فامتد شعور هذا العداء المستميت بين قورلوس ونسطوريس إلى مؤيديهما الأقل درجة كهنوتية. وأدى ذلك – كما يقول دوشيتز – إلى نشوب مشاجرات بين مواطني نسطوريس وبحارة الاسكندرية.

وصول المبعوثين الآخرين: في 12 حزيران وصل جوفينال الذي انحاز إلى جانب قورلوس3 وصل أفسس برفقة 15 أسقفاً من فلسطين. وكان هناك أيضاً فالفيان من فيليبي (كمفوض عن الكاهن الباباوي في إيلسروم الشرقية وروفس وتيسالونيقيا) مع أساقفة مقدونيين. بالإضافة إلى أسقف أفسس ورغم أن الأخير أصبح أسقفاً في نفس السنة، إلا أنه له مكانة بارزة في هذا النزاع، بسبب كونه أسقف المدينة المضيفة للمجمع. إضافة إلى ذلك فإنه كان يتمتع بميزة أخرى وهي امتلاكه نحو 40 معاوناً4. وقد أمر ميمون إضافة إلى معاونيه الأربعين، أمر الأساقفة الأثني عشر من بامفيليا بإبداء مساعدتهم لقورلوس. وكمحاولة منه لدعم قورلوس قام ميمون بغلق أبواب كافة الكنائس في أفسس بوجه نسطوريس ومؤيديه. ومن أفريقيا قدم كاهن كان يدعى باسيليوس الذي وصل بعد رحلة طويلة وخطرة. وقد جاء هذا الكاهن لحضور المجمع ممثلاً عن كنيسة كارثيج. ولم يحضر مبعوثون آخرون من ذلك الجزء من أفريقيا لوقوع تلك الجهات تحت رحمة السلابة وقطاع الطرق.

محاولة قورلوس لافتتاح المجمع: في يوم 21 حزيران 431 م دعا قورلوس – وبوصفه القاضي الذي عين نفسه لهذا المنصب – دعا المجمع إلى الانعقاد في اليوم التالي. وكان هذا الإجراء الذي اتخذه قورلوس موضع خلاف شديد، كما أن الحجج التي قدمت مسبقاً لتبرير هذا الإجراء كان من الصعوبة تصديقها. حيث أن حقيقة قيام البابا بتخويل قورلوس لم تعطي الأخير أي حق في دعوة المجمع للافتتاح، وذلك لأن الإمبراطور هو الذي دعا إلى عقد المجمع وليس البابا. وكان الكاونت كانديديان هو صاحب الحق الوحيد في افتتاح أعمال المجمع. وحتى البابا نفسه لم يكن يملك هذا الحق. إذ جرت العادة في تاريخ المجامع الأبرشية أن البابا الرومان لم يفتتح أو يترأس أي مجمع أبداً. وعليه يبدو أن أفضل تعليق على إجراء قورلوس هذا، هو ما قاله دوشيتز في الجملة التالية: “لقد كان ذلك كثيراً جداً”. وفي مساء يوم 21 حزيران، تلقى قورلوس احتجاجاً ضد افتتاحه المجمع قبل وصول الانطاكيين. ورغم أن هذا الاحتجاج كان موقعاً من قبل 68 أسقفاً من بينهم 21 مطراناً، إلا أنه ذهب أدراج الرياح. ويقول دوشيتز: “الكل في ما عدا قورلوس كانوا مترددين لكن خياره تحقق”. كان قورلوس واثقاً تماماً من مركز ثقله الرئيسي، لذلك سار قدماً كسلفه ثيوفيلوس وخليفته ديوسكورس في إدانة غريمه، هذا وكان جوهر ذلك الاحتجاج هو تأخر وصول وفد أساقفة أنطاكيا. وقد بعث يوحنا الانطاكي وهو في طريقه إلى المجمع، رسالة إلى قورلوس أعلن فيها قدومه، وأضاف فيها أيضاً أن سبب تأخرهم5 يعود إلى طول الطريق وموت بعض من خيلهم. وكان كل من ألكسندر من أباميا والكسندر من هيرابوليس هما الأسقفان الوحيدان اللذان وصلا إلى أفسس قبل افتتاح المجمع وهما يحملان معهما رسالة يوحنا الانطاكي إلى قورلوس. ومن المستبعد أن يكون يوحنا قد تعمد التأخر بالوصول إلى أفسس لتجنب إذلاله في المجمع في حالة إدانة صديقه نسطوريس. وأحرى من ذلك أن قورلوس هو الذي كان خائفاً من معارضة يوحنا له، لذلك عجل بافتتاح المجمع قبل وصول يوحنا. وعلى أية حال كان كل من نسطوريس والمبعوث الإمبراطوري راغبين بالانتظار لحين وصول يوحنا الانطاكي.

قورلوس يفتتح المجمع: في 22 حزيران تجمع مؤيدو قورلوس لغرض المجمع المقترح ورغم أن تجمعهم كان بناء على الدعوة التي وجهها قورلوس في اليوم السابق إلا أن كانديديان تدخل في الموضوع، لأنه كان من واجبه مراقبة صيانة القانون ولأمر بخصوص المجمع الذي دعي أصلاً إلى لانعقاده من قبل الإمبراطور. حيث أنه حال سماعه بتجمع الأساقفة في “كنيسة مريم” اندفع كانديديان إلى هناك للتنديد بتلك الإجراءات، ذلك أن رغبة الإمبراطور كانت عدم تجمع أي فريق بمعزل عن الفريق الآخر. بل مشاركة الجميع في العمل عامة. إلا أن قورلوس تجاهل كانديديان، لأن التأخير كان من صالح معارضيه، إذ أدرك أن وصول الشرقيين كان سيعطي نسطوريس زخماً قوياً. إن لم يكن بالعدد فعلى أية حال بالصلاحية. وقد ضغط مجمع قورلوس على كانديديان لإعطائه صلاحية الانعقاد، وحينما أطلعهم الأخير على رسالة ثيودوسيوس الثاني، “طرحها المجتمعون خارجاً وأهملوها”، عندئذ انسحب كانديديان من هذا المجمع غير الشرعي بعد تقديمه احتجاجات أخرى. أما مؤيدو نسطوريس الذين كانوا تواقين لسماع صدى احتجاجهم فقد رأوا الباب مفتوحاً أمامهم للخروج منه سوية مع الكونت كانديديان. وقد عبر نسطوريس فيما بعد في كتابه “بازار هيرقليدوس” عن قناعته بإجراء كانديديان حيث يقول: “لقد أجهد كانديديان نفسه بالحديث لإقناع هؤلاء الذين لم تكن لديهم أية رغبة في الإصغاء، إذ كانوا في الحقيقة تابعين لشخص فرض سيطرته عليهم ضد رغبتهم المتمثلة بالأمر الإمبراطوري الذي اعترف الجميع أنه عادل…”. واستمر قورلوس بإجراءاته كأنه كان الرئيس المخول، واستمر في استدعائه لنسطوريس الذي تجاهل الاستدعاء الأول المرسل من خلال أربعة أساقفة، ورفض الاستدعاء الثاني الذي أرسل بعد تجمع يوم 22 حزيران، أما الاستدعاء الثالث فقد كان صارماً كأنه كان موجهاً لشخص مذنب6. وبالرغم من عدم تمكن الوفد الثاني من مقابلة نسطوريس شخصياً لأحاطة مقر إقامة الأخير بالجنود لحمايته حسب أوامر كانديديان، إلا أن نسطوريس قال في كلمة أرسلها: “بأنه سيظهر أمام المجمع حالما يجتمع جميع الأساقفة”. في حين لم يستلم الوفد الثالث الذي حمل معه الاستدعاء الثالث في نفس اليوم، أي توضيح لآخر. هذا ولم تتطلب الضرورة من نسطوريس إعطاء توضيحات أخرى. وذلك لموافقة كانديديان نفسه مع هذا الرأي وطلبه تأجيل افتتاح المجمع مدة أربعة أيام على الأقل.

الجلسة الأولى 22 حزيران 431 م: باشر قورلوس بأعمال المجمع في غياب كانديديان، وطالب جوفينال أسقف أورشليم قي هذه الجلسة بتفحص تعاليم نسطوريس، كما طالب باستدعاء الأخير. وتليت رسالة قورلوس الثانية لنسطوريس، ثم أقرت من قبل المجمع. وقد ألقى الأساقفة في هذه الجلسة 126 حديثاً، وبعد ذلك قرأت رسالة نسطوريس إلى قورلوس فأعرب 34 أسقفاً عن عدم تأييدهم للرسالة، وذلك لعدم تماشيها مع مقررات مجمع نيقيا، وفي هذه الأثناء نادى جميع الأساقفة بصوت واحد بالإدانة التالية: “من لا يحرم نسطوريس يحرم نفسه، أن المعتقد الحقيقي يحرمه. وإذا كان أحد شريك مع نسطوريس، فإنه محرم. إننا جميعاً نحرم رسالة ومبادئ نسطوريس الهرطوقي كما نحرم مؤيديه ومبدئه ومعتقده الإلحادي. إننا نحرم نسطوريس الملحد…” وتليت وأقرت وثيقتين أيضاً، وهاتان الوثيقتان هما، رسالة البابا مع مقررات مجمع روما، ورسالة قورلوس مع مقررات مجمع الاسكندرية. وبعد ذلك تم استجواب القساوسة الأربعة الذين أرسلوا لاستدعاء نسطوريس وتم كذلك استجواب صديقي نسطوريس ثيودوتس من أنسيرا وأكاكيوس من ملتنس اللذان بذلا مساع لإعادة نسطوريس إلى “الطريق الصائب” استجواباً لمعرفة مكانة نسطوريس. وقد تم حسب مقترح فالفيان من فيليبس التنويه إلى عدد من أحاديث الآباء للتأكد على المعتقد القويم فيما يخص وحدة لاهوت وناسوت المسيح. أما الوثيقة الأخيرة المطروحة في هذه الجلسة، فكانت رسالة كابريوس رئيس أساقفة كارثج والتي ناشد فيها المجمع بعدم الأخذ بأية مبادئ جديدة. انتهت الجلسة الأولى بعد إدانة نسطوريس رسمياً، هذا وقد وقع على لائحة الإدانة 198 أسقفاً من الأساقفة الحاضرين، وأعلن قرار الإدانة على العامة الذين كانوا ينتظرون في الخارج. وعلى أثر ذلك ملأت البهجة قلوب أنصار قورلوس وزينت العديد من مناطق مدينة أفسس. وتم إرسال قرار الحكم إلى نسطوريس في اليوم التالي، كما أرسل القرار إلى سكان مدينة القسطنطينية أيضاً وكتب قورلوس وبصفته رئيس المجمع إلى أصدقائه في القسطنطينية كالارشمندريت دالمتيوس، يطلب منهم رفع التقرير “الصائب” إلى الإمبراطور، حيثما لم يكن التقرير الرسمي قد اكتمل بعد.

 

مجمع يوحنا الانطاكي: بمجرد وصول الانطاكيين في 26 حزيران 431 م إلى مدينة أفسس، أحاطهم قورلوس علماً بكل ما حدث في مجمعه، وأمرهم بعدم إجراء أي اتصال وبأي وسيلة كانت مع نسطوريس. ومع ذلك فإن يوحنا بطريرك الكرسي الانطاكي القديم الذي أدرك تماماً أنه لم يكن لبطريرك كرسي الاسكندرية أي حق في توجيه الأوامر إليه، تجاهل قورلوس ودعا في الحال إلى عقد اجتماع7. ولم يكن هذا الاجتماع الذي عقد في مقر إقامة يوحنا الانطاكي في أفسس اجتماعاً عادياً ولا مؤامرة شخصية، بل كان تجمعاً للأساقفة حضره المبعوث الإمبراطوري الكاونت كانديديان الذي أنيطت به مهمة افتتاح المجمع المقترح في أفسس. وبالرغم من قلة عدد أعضاء هذا المجمع مقارنة بمجمع قورلوس، فإن هذا المجمع الذي حظي بحضور الممثل الرسمي للإمبراطور، والذي ترأسه شخص لم يكن له ضلع مباشر في هذا النزاع، له ما يبرره وبشدة للإدعاء بأنه المجمع القانوني لأفسس. وهذا هو السبب الذي يدفع أبناء كنيسة المشرق اليوم للإدعاء بأنه لو كان هناك مجمعاً مسكونياً ثالثاً، فإنه هو مجمع يوحنا الانطاكي. وذلك لأن المجمع الأخير ضم في عضويته بطريركين، إضافة إلى الممثل الإمبراطوري كانديديان الذي أضاف حضوره إلى هذا المجمع صفته القانونية. وعلى النقيض منه فإن مجمع قورلوس ضم بطريرك واحد هو، قورلوس نفسه. ولم يتمكن حتى مبعوثي البابا من حضوره حتى هذه المرحلة، رغم إقرارهم بكل ما حدث قبل وصولهم فيما بعد. وكان على رأس قائمة جدول أعمال مجمع يوحنا، إدانة كل من قورلوس وميمون، وقد بعث هذا القرار إلى الإمبراطور، حيث جاء فيه: “لذلك قررنا تنحية كلا الشخصين الآنفي الذكر، قورلوس وميمون، وطردهما من كافة خدمات الكنيسة…” ما لم يقوما برفض وتحريم الاصحاحات التي وضعها قورلوس، والتي هي مملوءة بهرطقة كل من يونوميوس وآريوس. ويستوجب عليهما أيضاً ونزولاً عند أوامركم الحكيمة، أن يجتمعا سوية معنا ويبحثا وباسلوب قويم سوية مع الجميع، عن مخرج لمسألة مدار البحث وأن يؤكدا تأييدهما للمبادئ السمحاء لآباءنا القديسين”. إن ما جاء أعلاه يؤكد أن حقيقة غاية يوحنا الانطاكي لم تكن لأجل عقد مجمع منفصل. إذ توقع هذا الفريق، بل طالب بعقد مجمع موحد لبحث المشكلة التي واجهتها الكنيسة العالمية آنذاك. ولم يكن ما دعا إليه الإمبراطورين سوى عقد مجمع موحد يحضره الجميع دون أي عذر. هذا ولم يقل هذا المجمع أي كلمة حول نسطوريس، لهذا السبب يلمح هيفيل بصواب إلى أن الانطاكيين لم يكونوا بكل تأكيد نساطرة، طالما أنهم لم يجيزوا مبادئ نسطوريس. ومما يسلي هيفيل أيضاً هو “أن هذا المجمع الذي يتحدث عنه يوحنا بمثل هذه العبارات المتحذلقة، لم يضم سوى 43 عضواً وبضمنهم هو نفسه، بينما ضم الجانب الآخر أكثر من 200 عضواً”. لقد أدان مجمع يوحنا كل من قورلوس وميمون من دون استدعاهما أو الإصغاء إلى وجهة نظرهما، الأمر الذي أشير إليه كعارض قوي ضد يوحنا، إلا أن الأخير كان مدركاً تماماً لحقيقة أن قورلوس ما كان سيلبي أي دعوة مباشرة من مجمعه. هذا وكان قورلوس منتصراً حتى وصول يوحنا، لذلك فإنه ما كان سيتخلى أبداً عن الموقع الرئاسي الذي أسسه لنفسه، إضافة إلى ذلك – كما يقول كيد – كان رأي الانطاكيين هو أن قورلوس قد تعجل بكل سهولة في إدانة نسطوريس تجنباً لوضع نفسه في موضع الدفاع. وفي الحقيقة ناقش مجمع يوحنا المشكلة قبل إدانة كل من قورلوس وميمون ويصف الكاتب الكاثوليكي الروماني فيليب هوغس في كتابه “الكنيسة في أزمة” يصف هذا المجمع كالآتي: “كان هناك حديث حول سيرة قورلوس الاوتوقراطية، وعن الهرطقة التي ضمنتها محرماته الاثني عشرة وأخيراً حول يوحنا الانطاكي. الذي ترأس المجمع، واقترح حكماً بطرد قورلوس وميمون من الكنيسة بسبب الهرطقة – هرطقة آريوس وأبوليناريوس- التي احتوتها المحرمات، وطرد جميع الأساقفة الذين سمحوا لأنفسهم الاقتياد وراء هذين الزعيمين”. وبعد انتهاء المجمع بعث يوحنا برسالة إلى الإمبراطور، طالباً منه التدخل لإصلاح ودون أي تأخير جنون عظمة هذين الشخصين. “الجنون الذي كان كالزوبعة تكتسح الأقل شأناً منهم إلى الهرطقة الشريرة.


 

  1. الأصح الحديث عن مجمعي أفسس المنافسين لعام 431 م لأن كل الطرفين المنافسين عقدا مجمعهما، وعلى أية حال أعتبر كلا المجمعين غير قانونيين أثناء وبعد انعقادهما ومع ذلك اعترف في عام 433 م بمجمع قورلوس بعد مصادقة بطريرك كل من الاسكندرية وانطاكيا على القانون الموحد، ولما كان هذا موضوع بحثنا فإننا نرى هذين المجمعين كمجمعين متنافسين وذلك لانعقادهما لمنافسة أحدهما الآخر رغم أن هدف الإمبراطور كان يصب في عقد مجمع مسكوني واحد
  2. يعلق هيفيل على وصول نسطوريس إلى أفسس بهذه الكلمات (لقد كان يرافقه عدد كبير من الرجال المسلحين، كأنه كان ذاهباً إلى ساحة معركة). ومع ذلك أننا لا نجد عبارات مثل (رجال مسلحين) و (ساحة معركة) في كلام المؤرخ الكنسي سقراط
  3. رغم أنه يبدو غريباً أن ينحاز أسقف أورشليم إلى جانب بطريركية الاسكندرية بدلاً من بطريركية انطاكيا، فإن الحقيقة هي أن هذا الكاهن الطامح كان مشغولاً في محاولة تكوين بطريركية له على حساب بطريركية انطاكيا. لذلك قرر الانحياز إلى جانب قورلوس الزعيم الأبرشي الذي باتت له في الأفق فرصة أوفر للنصر في أفسس
  4. كانت أبرشية آسيا على عكس المقاطعات الافريقية تضم العديد من الأسقفيات
  5. لهذه الرسالة وجهة نظر مغايرة، حيث اتفق بعض الباحثين على أن يوحنا الأنطاكي طلب إلى قورلوس إمهاله 4 – 5 أيام فقط. ومن ثم السير قدماً في افتتاح أعمال المجمع دون انتظاره في حالة تأخره أكثر. ومع ذلك يصر مؤيدو يوحنا بأن الأخير لم يطلب من قورلوس افتتاح المجمع من دونه
  6. يذكرنا دوشتز أن ذلك لم يكن تكتيك جديد، وكانت له أسبقية قوية وقد كتب يقول: “لذلك قرر قورلوس اتخاذ إجراء وقح، أشبه ما يكون بإجراء عمه ثيوفيلوس الذي أفلح به ضد يوحنا كريستوم. وقد فرض قورلوس لنفسه وبوقاحة دور القاضي، كي يتجنب وضعه في موضع الاتهام
  7. يقول كيد: أن يوحنا الانطاكي عقد مجمعه حال وصوله “حتى من دون أن ينتظر ليغير ملابس سفره”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *