القديس مار نسطوريس وتعاليمه – الحلقة 2

الأركيذياقون د. خوشابا كوركيس

أسباب النزاع:

 كرس المؤرخ الكنسي سقراط المعاصر لنسطوريس فصلاً كاملاً من كتابه “تاريخ الأبرشيات” 1 لوصف اندلاع النزاع النسطوري، واستناداً إلى ما يقوله سقراط فأن نسطوريس لم يكن أول من وعظ ضد استعمال لقب ” أم الله ” للعذراء مريم. إذ أن أول من فعل ذلك كان راعي كنيسته أناستاسيوس ويعتقد أن الأخير كان قد قال في موعظة له ” لا تدعوا أحداً يلقب مريم العذراء بأم الله، لأن مريم ليست إلا امرأة، وإنه من المستحيل أن يولد الله من امرأة” 2. وقد دافع نسطوريس عن نفسه عندما أدين، وكان ذلك سبباً في خلق حساسية كبيرة في القسطنطينية، كما وتعرض إلى هجوم عنيف من قبل معارضيه الذين اتهموه بالهرطقة. خاصة تعاليم فوطينوس الغلاطي وهرطقة بولس الشمشاطي 3 الذي كان من نفس انطاكيا أيضاً، وقد قاد هذا الهجوم يوسيبوس- أسقف أورشليم فيما بعد- الذي علق بوستراً على جدران كنيسة القديسة صوفيا في القسطنطينية، قارن فيه تعاليم نسطوريس بتعاليم التي كانت قد أدينت في مجمع انطاكيا قبل 160 عاماً من ذلك الوقت. وتجدر الإشارة هنا أن سقراط هذا لم يكن متعاطفاً مع نسطوريس ونلاحظه في صدد هذه المسألة يقول ” لا يمكنني الجزم أنه كان من أتباع فوطينوس الغلاطي وبولس الشمشاطي، ولا أنه أنكر إلوهية المسيح، لكنه كان خائفاً من عبارة [أم الله] كما لو بدت له شبح مرعب”.

 وبعد ذلك بقليل ظهرت مشكلة أخرى، ففي إحدى المناسبات الخاصة بالاحتفال بالعذراء عام 429 م دافع بروكلس أسقف سايزكس الذي كان يقيم في القسطنطينية عن لقب [أم الله] وذلك بالاستناد إلى العديد من العبارات البلاغية المستقاة من الكتاب المقدس.          

إلا أنه جوبه بمعارضة شديدة من قبل نسطوريس الذي قال في موعظة له بهذه المناسبة [إن الذي يقول وبكل بساطة أن الله قد ولد من مريم، إنما يجعل العقيدة المسيحية سخرية عند الوثنيين… لأن الوثني سيجيبه حينذاك… لا يمكنني أن أعبد إله يولد ويموت ويدفن] والجدير بالذكر هنا هو تعليق رجل الأعمال اللاتيني في القسطنطينية الذي حفظ لنا خطب نسطوريس، حيث يقول ” لقد اعترف بوحدة الاندماج، لكن بازدواجية الطبيعتين وموادها وباختصار أنها كانت تهمة سخيفة لإدانته بتعليم أخطاء فوطينوس الغلاطي 4، لأن تعاليم نسطوريس تدحض ما ذهب إليه فوطينوس”. وتلت موعظة نسطوريس الأولى ضد بروكلس مواعظ أخرى. ففي موعظته الثانية أوضح أنه ضد استعمال مصطلح ” أم الله ” لأن كل من الأريانيين والأبوليناريين اتخذوا من هذه العبارة ملجأ يتسترون خلفه. وفي موعظته التالية استمر في الافتراض أنه بدلاً من استعمال عبارة ” الله ولد من مريم ” يمكن القول ” أن الله قد مر خلال مريم ” ومع ذلك فقد اعتبرت موعظته الرابعة من أهم المواعظ الموجهة ضد بروكلس حيث أظهر في هذه الموعظة – حسب ما يقوله هيغيل- صبغته الهرطوقية الحقيقية. إذ أنه اقترح استعمال لقب (Theodochos) بدلاً من (Theotokos)، حيث تعني الأولى أن الله مر من خلالها فقط، بينما تعني الثانية ” أم الله “. ويدافع نسطوريس عن رأيه في عبارة (Theodochos) على والوجه الآتي ” هي الصورة التي استقبلت الله، فدعونا نقدسها كالله سوية مع الله، أنني أقول التي استقبلت الله وليس التي أعطت الحياة لله وذلك لأنه لا يوجد إله ألا واحد، الله الاب الذي تطلق عليه كلمة (Theotokos) 5 ويشير نسطوريس في رسالته إلى البابا،  إلى مجمع نيقيا كمرجع لإثبات صحة رأيه حيث يقول ( … لقد تجرأوا حتى على بحث ارتباط المسيح بالعذراء بطريقة مشابه لارتباطه بالله لأنهم لا يخافون من تسميتها بأم الله، حيث لم يذكر أحد من الآباء القديسين في نيقيا أي شيء آخر عن العذراء، سوى “القديسة مريم”، ولم يتحدثوا عن أسفار الكتاب المقدس التي يدعوا فيها.الرسل والملائكة مريم بأم المسيح وليس أم الله). ومع ذلك نظر إليه أعداؤه في إنكاره للقب أم الله على أنه إنكار لإلوهية المسيح. ويقول ي جايلس : ” يستشهد نسطوريس في عظته الأولى بالآية ( يوحنا 3 : 6 ) ويظهر قلقه على ناسوت المسيح والخوف من تحويل مريم العذراء إلى اله ” بينما نظر معارضوه إلى تعاليمه، على أنها انتقاص من ألوهية المسيح وعظمة ومجد التجسد. هكذا خلق نسطوريس بتعليمه ضد استعمال لقب” أم الله” لنفسه العديد من الأعداء حتى في مدينته القسطنطينية.

في هذه المرحلة ولأسباب شخصية تدخل في هذا الصراع قورلوس بطريرك الاسكندرية ووجد فرصته السانحة لتوجيه ضربته في آن واحد إلى الكرسي البطريركي المنافس في القسطنطينية وإلى مكانة مدرسة انطاكيا، بينما حاول من جهة أخرى توسيع نظريته اللاهوتية. في الحقيقة يبدو أن النزاع الشامل قد اندلع – كما يبين الباحث الألماني أدوارد شوارتز والمؤرخ الانجليزي هينري جادويك- 6 عندما قام الإمبراطور بالطلب إلى نسطوريس النظر في الاتهامات ضد قورلوس الاسكندري، والتي قدمها إلى الإمبراطور أربعة مواطنين من الاسكندرية، وكانت هذه الاتهامات على ما يبدو على درجة كبيرة من الخطورة. الأمر الذي أدى إلى قيام قورلوس بشن هجوم مقابل وعنيف ضد نسطوريس. ويقول جادويك في هذا الصدد ” لقد رأى أعوان قورلوس في القسطنطينية بأن النزاع الذي دار حول كلمة [أم الله] والذي ظن نسطوريس أنه قد انتهى في بداية توليه منصبه الأسقفي، قد تأججت شرارته مرة أخرى وهكذا تمكن قورلوس من تحويل إجراءات الإمبراطور الموجهة ذده كتهم إلى نتائج مبدئية لصالحه”. أما حكم شوارتز على هذا الموضوع فهو كالآتي” لقد وجد قورلوس نفسه كعمه ثيوفيلس على رأس حشد متمرد كبير من الرهبان المصريين الجهلة، وباعتباره زعيماً لذلك الجيش المستعد الكبير وجد النزاع الطائفي المتأجج كهبة مرسلة من الله”. ويحاول هيغيل أن يبين بأن السبب الوحيد لذهاب هؤلاء المصريون إلى القسطنطينية هو مجرد علمهم باندلاع النزاع بين قورلوس ونسطوريس، ثم يخبرنا هيغيل ” بأنهم قد عوقبوا بسبب تجاوزاتهم الأخلاقية الفظة”. وقد حدث هذا ربما من خلال قيام الفريق المشاغب تحت قيادة يوسيبوس بتشديد معارضتهم للبطريرك الذي تعرض إلى إهانتهم والمبالغة في أقواله وإثارة الجماهير ضده. وهي هذه الأثناء بالضبط – ولسوء الحظ- بدأ نسطوريس بوضع البيلاجيين تحت حمايته. كان بعد وفاة ثيودوروس المصيصي عام 428 م، قد قام جوليان أسقف إكلانوم مع ثلاثة أساقفة إيطاليين آخرين فلوريوس، وأورونيوس، وفوبيوس، قد لجأوا إلى القسطنطينية وبعدهم لجأ أيضاً إلى القسطنطينية الأسقف كوليستوس نفسه وهو أحد القادة البارزين لهرطقة البيلاجيين وقدم ندمه إلى نسطوريس، وحينما ترقى نسطوريس إلى كرسي البطريركية لروما الجديدة، ظن أنه من واجبه الكتابة إلى البابا لطلب المعلومات حول أسباب اضطهاد البيلاجيين وقد شعر البابا أنه قد أهين بسبب رسالة نسطوريس الذي اعتبر منزلته مساوية المنزلة البابا 7. هذا وكان قورلوس يستلم التقارير عن كافة الخطوات التي كان يخطوها نسطوريس ضد استعمال لقب [أم الله] في القسطنطينية. ففي النصف الأول من سنة 429 م كتب قورلوس رسالة إلى نساك وادي نطرون، ورغم أنها كانت موجهة إلى الرهبان المصريين كما يرغب قورلوس إلا أن معارضي نسطوريس حولوها لصالحهم، ويحاول هيغيل أن يدعم أكثر تدخل قورلوس في هذا النزاع، بافتراضه أن قورلوس قد كتب إلى رهبان نطرون مباشرة بعد بدء نسطوريس ببث دعاياته بين هؤلاء الرهبان. وفي عيد القيامة لعام 429م، طلب قورلوس في عظة له “إعطاء تعبير واضح وبسيط للمبدأ الصحيح”. ومما يجدر ذكره هنا، أنه لم يرد ذكر اسم نسطوريس في هذه العظة. ومع ذلك فانه ليس من الصعب الاكتشاف أنه لم يقصد فيها إلا نسطوريس حينما قال: ” إنها ليست الألوهية (في ذاتها) بل الكلمة التي اتحدت مع الطبيعة البشرية ثم ولدت من مريم”.

 

تطور النزاع:

ألمح نسطوريس في رسالته الأولى إلى البابا المتعلقة بالبيلاجيين إلى بداية النزاع حول ألوهية المسيح حيث كتب يقول ” لقد مزج هؤلاء الهراطقة الألوهية والناسوت في المسيح، وادعوا كفراً بأن الكلمة الله – كما هو – قد بدأ من أم المسيح، وأنه كان مرتبطاً على الدوام مع هيكله (ناسوته) ثم دفن مع جسده (ناسوته) وأنه بعد قيامته من الأموات اندمج جسده (ناسوته) ضمن ألوهيته”. ويطلب نسطوريس من البابا في رسالته الثانية إليه أن يرد على رسالته الأولى بخصوص البيلاجيين، وكتب في هذه الرسالة أيضاً عن الهرطقة الجديدة التي تحيي الأبولينارية والأريانية “. إلا أن البابا لم يرد مطلقاً على هاتين الرسالتين ربما بسبب أنه كان غير مرتاح أزاء تكبر نسطوريس 8 ويحتمل أن يكون ذلك لسبب آخر وهو التأخر الحاصل في ترجمة الرسالتين إلى اللاتينية. إضافة إلى ذلك فان الشيء الأكثر أهمية هو ؟ أن البابا كان قد استلم في هذه الأثناء أخبار سيئة تخصه من قورلوس”. ومن جانب آخر شعر قورلوس بالحاجة الماسة للكتابة بضعة رسائل تتناول نزاعه مع نسطوريس. فكانت رسالته الأولى موجهة إلى الإمبراطور والرسائل الأخرى إلى أربع سيدات من البلاط الإمبراطوري 9 وكان غرضه من كتابة الرسائل إلى سيدات البلاط الإمبراطوري الأربعة هو ” لتوضيح المبادئ الصحيحة لهن من خلال اصحاحات الكتاب المقدس وأحاديث الآباء القديسين وبصيغة متكاملة للغاية “. وقد سمى كيد هذه الرسائل بـ (متحف الشواهد الأصلية). كان قورلوس سخياً للغاية لعدم تظلمه من نسطوريس في هذه الرسائل التي مع ذلك يعتبر الغرض من إرسالها في تلك الظروف السائدة آنذاك أمر مشكوك فيه. ويشاطرنا في هذا الرأي حكم كيد من أن قيام قورلوس بكتابة هذه الرسائل كان لأبعاد نساء البلاط قدر الإمكان من التعاطف مع نسطوريس، وبعد فترة وجيزة من ذلك قام قورلوس بتوثيق العلاقة مع روما، وكان البابا هو الذي بدأ بالكتابة إلى قورلوس وذلك للتأكد من الأخبار المتعلقة بخطب نسطوريس، إلا أن قورلوس تعمد في تأخير رده وفي هذه الأثناء بعث نسطوريس بأحد النبلاء وكان يدعى أنطوكيس إلى روما حاملاً معه رسالة إلى البابا تتعلق بموضوع اللاجئين البيلاجيين وخطبه المتعلقة بسر التجسد. ولما كانت جميع هذه الرسائل مكتوبة باللغة اليونانية، فقد طلب البابا من رئيس الكهنة ليو وجون كاسيان (360 – 435) بترجمتها إلى اللاتينية، وبإعادة شرح تعاليم نسطوريس التي رد عليها كاسيان في سبع مجلدات 10 وفي نيسان 430 م رد قورلوس على رسالة البابا قائلاً ” أنه قد لزم الصمت لغرض معين “. وبعد تطرقه إلى تفاصيل تطور النزاع، أبرز موقفه وطلب من البابا رأيه في الخطوة المقبلة وطلب منه أيضاً الكتابة إلى أساقفة مقدونيا والمشرق، ثم إعطاء خطب نسطوريس والرد عليها، وكانت حكمة قورلوس واضحة للعيان في عمله بإرسال خطبه مترجمة إلى اللاتينية وخطب نسطوريس بدون ترجمة. وقد ضخم كل من كيد وهيغيل الجانب المشرق لسيرة قورلوس في علاقته مع البابا. وتم الإيعاز إلى الكاهن بوسيدوميوس الذي كان مخولاً بتسليم الوثائق إلى البابا بتسليم هذه الرسائل إلى البابا مباشرة بعد تأكده من طلب نسطوريس الاستغاثة من البابا. وقد دق قورلوس ناقوس الخطر من البيلاجيين في رسالته إلى البابا. ويقول هنري جادويك ” لقد أدرك أنه لم يكن هناك أدنى أمل لإثارة الغرب بشعار ” أم الله”، لذلك أخذ يقرع على طبل معاداة البيلاجية حيث استطاع إثارة روما على اتخاذ الإجراءات رغم أنه لم يكن للبيلاجيين أي تأثير على مسار النزاع الرئيسي 11. ويقول قزرلوس بوجه خاص في رسالته الأولى إلى البابا ” يتجنب نسطوريس عبارة (اتحاد) الطبيعتين ويتحدث فقط عن (اقتران) الطبيعتين 12 وأي كان السبب المحرك لقورلوس في الرد على البابا بهذا الأسلوب، فإن النتيجة كانت أن قورلوس قد قبل لنفسه بأن يعمل كعميل للبابا.

 

مجمع روما:

 في شهر آب 430 م عقد مجمع روما ترأسه البابا سيلستين، وقبل ذلك كان البابا قد جمع معلومات كافية حول الخطب التي ألقاها نسطوريس وكان مهيئاً لاتخاذ قراره. وقد افتتح المجمع قائلاً ” أتذكر أنه في عيد الميلاد، جعل المرحوم أمبروس جميع الناس ينشدون بصوت واحد إلى الله: تعال يا فادي الأمم، اظهر ميلادك العذري ودع كل الأجيال تتعجب”. هذه هي الطريقة التي تليق بالله؟ وهذا يتطابق تماماً مع ما ذهب إليه شقيقنا قورلوس حينما يدعو العذراء مريم ” أم الله”. أنه هو الله الذي أنجبته العذراء بمساعدة القوة الخارقة”. كان البابا في كلمته هذه يقلد الآباء مثل هيلاري ودماسوس وغيرهم.  وعليه أدين نسطوريس، ولكن هل هناك أدنى شك في أن المحرك الأساسي لهذه الإدانة كان لإثبات السلطة البابوية وخاصة في ما يتعلق ببطريرك القسطنطينية؟ لقد كان قورلوس واثقاً من القرارات التي سوف تتخذ ضد نسطوريس. وفي يوم 11 آب 430 كتب البابا سبع رسائل باسم المجمع، ففي رسالته إلى قورلوس يعرب البابا عن رضاءه بكل ما فعله الأخير. ويقترح ببذل كل ما في وسعه لإصلاح نسطوريس، إضافة إلى احتمالية مطالبة نسطوريس بإعادة جميع الذين حرمهم من الكنيسة بتهمة مخالفة آرائهم لآرائه الشخصية. وجاءت في هذه الرسالة الفقرة التالية التي تعد من أشد الفقرات المتنازع عليها ” وإذا لم يدن بدعته الإلحادية في غضون عشرة أيام فان الأمر يستوجب طرده من كافة المذاهب التابعة للكنيسة الحقيقية، وعلى قورلوس أن ينشر هذا الحكم باعتباره ممثلاً عن البابا”. وكانت رسالى البابا إلى نسطوريس ذات نغم مختلف، حيث يرد البابا في رسالته إلى نسطوريس على استفسار الأخير حول اللاجئين البيلاجيين. إلا أن الغاية الأكثر أهمية التي كتبت من أجلها هذه الرسالة يمكننا إدراكها من الفقرة التالية المقتبسة منها ” خذ الحذر من أنه إن لم تقم بالتبشير بربنا يسوع المسيح وفق تعاليم الكنيسة الرومانية والاسكندرية والكاثوليكية العالمية، ووفق التعاليم التي تمسكت بها كنيسة القسطنطينية لحين استلامك رئاستها. وإن لم تقم بإنكار هذه البدعة الإلحادية بصورة معلنة وكتابياً والتي تهدف إلى إبطال ما جاء في الكتاب المقدس وذلك في غضون عشرة أيام من تاريخ استلامك هذه الرسالة فانك تعتبر مطروداً من كافة الأبرشيات الكنيسة الكاثوليكية قاطبة”. وقد أعلم نسطوريس أيضاً أن الشماس بوسيدينيوس قد كلف بمهمة أخذ كافة الوثائق الضرورية إلى بطريرك الاسكندرية،  كما وعلم نسطوريس بحقيقة تعيين قورلوس وكيلاً عن البابا. ولا حاجة للذكر بأن هذه الرسالة كانت غير مرضية على الإطلاق لنسطوريس. هذا ولم تدان وتلام تعاليم نسطوريس فقط بل أنه تم أيضاً توكيل منافسه ومدينه بمهمة تنفيذ قرارات الإدانة ضده!!

المجمع المحلي في روما: كان الغرض من الرسالة التي بعث بها البابا إلى كهنة وسكان القسطنطينية هو لتبرير تدخله في شرعية أسقف القسطنطينية، كما يلاحظ بوضوح في هذه الفقرة من الرسالة ” كما كان للقديس بولس أمر العناية بالكنائس، كذلك لنا أمر العناية الأبوية بكم”. ويتحدث بعد ذلك عن خطورة تعاليم نسطوريس، حيث يقول “أنها تهدد ألوهية الابن”. وبعد أن يستعرض الأمثلة عن أساقفتهم العظام وعن أثاناسيوس أيضاً يخبرهم البابا بالقرار الذي اتخذه مجمع روما. أما في رسائله إلى يوحنا الأنطاكي ويوفينال الأورشليمي، فيضيف البابا كلمة منه إلى كليهما، وقد كتب قورلوس رسالة إلى يونيفال أيضاً، تتناول وبالتفصيل مخاطر ذلك النزاع، وقال قورلوس في هذه الرسالة ” سنلجأ إلى الإمبراطور لإنقاذ الدين من هذا الكاهن الدجال”. وإننا لا نعرف إن كان قورلوس قد استلم رداً على هذه الرسالة. إلا أنه لم يتمكن من الانتظار فترة طويلة، لذلك جاء دوره الآن ليعقد بنفسه مجمعاً في الاسكندرية.

 

مجمع الاسكندرية:

 في محاولة منه لكسب البابا إلى جانبه في صراعه مع نسطوريس، سعى قورلوس إلى تجنيد مؤيدين له في الشرق لأجل قضيته “النبيلة” ولم يجد أفضل من أكاسيوس أسقف بيرويا 13 الذي يحتمل أنه كان أكبر الأساقفة سناً في حينه. هذا وقد سبق لأكاسيوس وأن مد يد العون إلى ثيوفيلوس عم قورلوس ضد كريستوم، وعليه كتب قورلوس إلى أكاسيوس طالباً الدعم. إلا أنه خاب ظنه حين اطلع على رد الأخير “وعلى أية حال لقد قدم من القسطنطينية إلى هذه المناطق أعداد كبيرة من الكهنة والأهالي فأكدوا لنا أنه 14 لم يقل شيئاً غير مطابق لتعاليم الرسل ومجمع نيقيا أما رسالتك فقد قرأتها لبطريركنا الجديد يوحنا 15 الذي أعرب عن موافقته الكلية معنا نحن الكبار في السن وهو كثير الخبرة في كافة مناطق الشرق، وهو يلتمس منك أن تتصرف بتبصر”. وبالرغم من عدم حصوله على الدعم الكافي من الشرق، فقد قرر قورلوس المضي قدماً في عقد مجمعه في مدينة الاسكندرية. ويحتمل أن هذا المجمع الذي عقد في شهر تشرين الثاني سنة 430 م لم يكن المجمع الخاص الذي دعي لعقده لهذا الغرض 16.

وقد هيئت في هذا المجمع رسالة مفصلة جداً إلى نسطوريس كتبت من قبل قورلوس نفسه، وبعد مهاجمة الهرطقة النسطورية أعلن عن تحريم نسطوريس في حالة عدم تخليه عن أخطائه، ويضيف قورلوس في رسالته هذه ” الأحرى بنا أن نستعيذ من عبارة (الاقتران) لعدم دلالتها بشكل كافي على الوحدانية. ولكننا لا ندعو كلمة الله بالآب، أو الله، ولا بالرب يسوع المسيح كي لا نجزأ المسيح الواحد صراحة إلى الابن والرب، ونقع تحت تهمة الالحاد، جاعلين منه إلهاً ورباً نفسه”. وفيما يخص عبارة (أم الله) المتنازع عليها يقول قورلوس” ومنذ أن ولدته جسدياً القديسة مريم كان الله واحداً بجسد وفقاً لطبيعته، لهذا السبب فأننا ندعوها أيضاً بأم الله. وليس بسبب أن طبيعة الكلمة قد استمدت بداية وجودها من الجسد”. وتحدث قورلوس أيضاً عن سلطان الكتاب المقدس والآباء وقال في تلك الرسالة إن البابا يقف إلى جانبه. ودافع قورلوس في رسالته الموجهة إلى كهنة وسكان القسطنطينية عن إجراء البابا سلستين المتمثل بإصداره إنذاراً لنسطوريس بالتخلي عن تعاليمه المضللة. وحث الكهنة والسكان على التمسك بالتعاليم الصائبة والتخلي عن نسطوريس. أما الرسالة الثالة من مجمع الاسكندرية فقد وجهت إلى رهبان القسطنطينية وكانت هي الأخرى تحمل في طياتها نفس المضمون. هذا وأنهى مجمع الاسكندرية جدول أعماله بعد أن تم تعيين أربعة مبعوثين ليحملوا الرسائل إلى القسطنطينية، وفي يوم الجمعة المصادف الخامس من شهر كانون الأول 430 م وصل المبعوثون الأربعة إلى القسطنطينية، أي بعد أسبوعين من دعوة الإمبراطور لعقد مجمع عام لحل النزاع. وفي السابع من كانون الأول وخلال قداس يوم الأحد في الكاتدرائية سلمت هذه الوثائق الصادرة عن مجمع الاسكندرية نسطوريس بشكل علني. إلا أن نسطوريس لم يرد في تلك اللحظة، لكنه وعد بالالتقاء بالمبعوثين في اليوم التالي. ومع ذلك لم يتم هذا اللقاء، بل أنه بدلاً من ذلك اللقاء المرتقب نشر نسطوريس محرماته الاثنتي عشر المضادة. والتي سوف ننشرها لاحقاً.


 

  1. [1] Socrates; Ecclesiastical History, Book VII chapter XXXII
  2. نفس المصدر السابق
  3. أسقف انطاكيا (260 – 272) ادعى أن المسيح اصبح إلهاً بالتبني
  4. كان فوطينوس أسقفاً على سيرميوم وقد أدين في مجمع سيرميوم عام 351 م وكانت تعاليمه حسب سوزمن ” تدعو إلى أن المسيح اكتسب وجوده من مريم. وتم تنحيته من منصبه من قبل هذا المجمع لاتهامه بتأييد أخطاء بولس الشمشاطي
  5. Nestorius and His teachings Bethune-Baker, Page 65
  6. جاء ذلك في رسالة قرأها هنري جادويك أمام جمعية اكسفورد التاريخية اللاهوتية في 25 كانون الثاني 1951 والتي اقتبسها من الرسالة التي قرأها ادوارد شوارتز أما اكاديمية فيينا في14 تشرين الثاني 1928 والتي نشرت تحت عنوان ” قورلوس الراهب المنتصر”
  7. لا شك في أن هذه العلاقة المتصدعة بين روما والقسطنطينية كانت فرصة ذهبية لقورلوس للعثور على حليف مرغوب له في روما في حربه الباردة ضد بطريرك القسطنطينية
  8. يمكن النظر إلى الشعور العالي بالمسؤولية لدى نسطوريس في إجراءاته بدلاً من اتهامه بالتكبر. بخصوص هذه النقطة. وقد كتب نسطوريس إلى البابا قائلاً ” غالباً ما تقرب كل من جوليان وارنتوس وفابيوس الذين قالوا أنهم أساقفة من الغرب، من إمبراطورنا التقي العظيم وأنهم كانوا في الأغلب يطرحون مآسيهم أمامنا، ورغم أنها كانت ترفض على الدوام، فانهم مع ذلك لم يكفوا عن تكرار فعل ذلك، بل استمروا يوماً بعد يوم في ملء آذان الجميع بتعابير مهمومة”
  9. رسالة إلى أركاديا ومارينا الشقيقتين الصغيرتين للإمبراطور، والرسالة الأخرى إلى بولكاريا شقيقة الإمبراطور الكبرى ويوديشيا زوجة الإمبراطور
  10. ألح كاسيان في هذه المجلدات السبع على هرطقة كل من البيلاجية والنسطورية. إضافة إلى ذلك دافع بإصرار عن لقب ” أم الله ” والإتحاد الحقيقي لطبيعتي المسيح
  11. تجدر الإشارة هنا أن قورلوس نفسه كان قد وبخ قبل 11 سنة من ذلك الوقت حول عين الموضوع وذلك لمنحه اللجوء للبيلاجيين المدانين
  12. الاتحاد يقابلها باليونانية (  ENOSIS ) ويقابل الاقتران (SUNAPHEIA)
  13. تعرف بيرويا الآن بحلب وهي مدينة سورية
  14. يقصد به نسطوريس
  15. اعتلى يوحنا – صديق نسطوريس – كرسي بطريركية انطاكيا في نفس السنة التي أصبح فيها نسطوريس بطريرك للقسطنطينية
  16. يعتقد كيد أنه من المحتمل أن يكون المجمع الاعتيادي قد عقد في خريف نفس العام في ابرشية مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *