سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

ترصيع الحياة بالصلاة

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 

   

 

كما تروا، لا شيء يضاهي الصلاة. الصلاة تجعل غير الممكن ممكناً، والصعب سهلاً، وتجعل الطرق المعوجة مستقيمة. كان داود المبارك يصلي بتواتر، لذا قال: "سبع مرات في النهار سبحتك على أحكام عدلك" (مز 119). إذا كان ملك وهو إنسان منغمس في مشغوليات بلا عدد ومحاصر من كل جهة يتضرع إلى الله هكذا مرات عديدة في اليوم، فأي عفو أو عذر يكون لنا، بالنظر إلى أوقات الفراغ الكثيرة التي لدينا، دون أن نتوسل إليه باستمرار، لا سيما أن هذا يضعنا في حالة نجني منها إستفادة عظيمة؟!

في الواقع، أنه من غير الممكن تصور شخص يصلي لله بالحماس المناسب، متضرعاً لله باستمرار ويخطئ. لماذا الأمر هكذا؟ سوف أقول لكم. الشخص الذي يضرم محور إنتباهه، رافعاً روحه نحو السماء، مصلياً لله، متذكراً ذنبه وطالباً المغفرة عنها، متوسلاً من الله الرحمة والشفقة، يطرح جانباً كل إهتمام دنيوي من خلال الوقت الذي يقضيه في هذا الحديث، ويتخذ لنفسه أجنحة ويصير متعالياً فوق كل الأهواء البشرية. ذهنه لا يشرد من خلال النظر حتى ولو امرأة جميلة المنظر إذ أن حرارة صلاته الثابته بداخله تبدد كل فكر معاكس وغير لائق. إلا أنك بكونك بشر، من المحتمل أن تنتكس حالتك الروحية من خلال التواني والكسل، بعد عبور ساعة أو أثنين أو ثلاثة بعد الصلاة، فتلاحظ أن الحرارة التي أضرمتها على وشك أن تتبخر تدريجياً، آنذاك توجه عاجلاً مرة أخرى للصلاة وأعد إشعال حالتك الباردة.

إذا قمت بذلك على مدار اليوم، محافظاً على حرارتك بالصلاة المتواترة على فترات، لن تعطي للشيطان إذن بالدخول أو فرصة للإعتداء على أفكارك. وكما نفعل عند اتخاذ شراب ساخن على مائدة الغذاء، عندما نلاحظ أن الماء الساخن قد برد، نضعه على الموقد مرة أخرى لكي يتم تسخينه بسرعة، لنفعل نحن أيضاً هكذا، ومن خلال وضع الفم للصلاة كما ولو كنا نضعه على جمر ساخن، ولنعيد إضرام أذهاننا مرة أخرى بالتقوى.

دعونا نُقلد البنائين، عندما يستعدون للبناء بالطوب، نظراً لضعف المواد المستخدمة يدعمون البناء بأخشاب طويلة، ولا يفعلون ذلك على فترات متباعدة بل متقاربة، وذلك لشد الطوب من خلال تقارب هذه الأخشاب. أفعل أنت أيضاً ذلك فيما يخصك، وسيّج حول حياتك من كل جانب بترصيع نشاطاتك الدنيوية بالصلاة المستمرة، كما هو الحال مع المشدات الخشبية. إذا تصرفت بهذه الطريقة، حتى ولو هبت رياح بلا عدد في وقت لاحق، حتى ولو هبت التجارب والمخاوف، حتى ولو جاءت أفكار معاكسة من أي نوع، حتى ولو وقعت مشاكل من أي نوع، لن تنجح في هدم هذا البيت المتماسك هكذا بالصلاة المتكررة.

قد تسأل كيف يكون ذلك ممكنا، بالنسبة لإنسان في العالم ملازماً لطاولة العمل، أن يصلي ثلاث مرات في اليوم وأن يذهب إلى الكنيسة؟ هذا ممكن وبسيط للغاية، حتى ولو كان الذهاب إلى الكنيسة غير متاح فمن الممكن - حتى بالنسبة للإنسان الملازم لطاولة العمل - أن يقف هناك في الدهليز ويصلي. فليست هناك حاجة للكلمات بل للأفكار، لا للأيدي الممدودة بل للروح المنضبطة، لا للشكل الخارجي بل للحالة الداخلية، إذ أن حنة (أم صموئيل) قد سُمعَّت صلاتها ليس بسبب النطق بصرخة مدوية واضحة، بل بسبب توسلاتها المدوية في داخل قلبها، كما قالل الكتاب: "حنَّة كانت تتكلم في قلبها .. وصوتها لم يسمع .. والرب ذكرها" (1صم1).

 كثير من الناس فعلوا هذا في حالات عديدة، فمثلاً، على الرغم من الضابط الذي يصيح في الداخل ساخطاً بالتهديد والوعيد، تجدهم يقفوا في الشرفة ويرشموا علامة الصليب ويرددوا بعض الصلوات القليلة في أذهانهم، ثم بعد ذلك يدخلون ويهدئونه ويحولونه من القسوة إلى اللطف. لم يمنعهم شيء من الصلاة بهذا الشكل، لا منعهم المكان أو الوقت أو عدم وجود الكلمات. أفعل أنت أيضاً هكذا. تأوه بشكل عميق، تذكر خطاياك، تطلع نحو السماء، وقل في ذهنك: "أرحمني يا الله"، وقد أكملت صلاتك. فمن طلب الرحمة، أعطى بينة على اعترافه، وأقرَّ بخطاياه. وإظهار الرحمة يخص الخطاة. الشخص الذي قال "ارحمني" تلقى العفو عن خطاياه، ولا يُعاقب من تدركه الرحمة. الشخص الذي قال "ارحمني" حقَّق ملكوت السموات، فمن ينعم الله عليه برحمته لا يحرره فقط من الخطية بل أيضاً يحسبه مستحقاً للخيرات الآتية.

لذلك ، دعونا لا نختلق الأعذار قائلين أن الكنيسة ليست قريبة، لأن نعمة الروح جعلتنا هياكل لله بشكل شخصي، إذا كان لنا الميول الصحيحة، وهناك تسهيل لنا من كل جانب. العبادة لدينا ليست من هذا النوع الذي كان سائداً في السابق بين اليهود، الذي كان مطولاً في الظاهر لكن قاصراً في الحقيقة. في تلك الحالة، كما ترى، كان على العابد أن يذهب إلى الهيكل، يشتري فرخي حمام، يحصل على الخشب والنار، يمسك سيف في يده، يظهر أمام المذبح، وينفذ متطلبات أخرى كثيرة. أما بالنسبة لحالتنا، من الناحية الأخرى، ليس الأمر على هذا المنوال، بل أينما كنت لديك المذبح معك، أما بشأن السيف والذبيحة، فأنت ذاتك هو الكاهن والمذبح والذبيحة. بعبارة أخرى، أينما تذهب يمكنك إعداد المذبح، معطياً فقط إرادتك اليقظة كشاهد، والمكان لا يمثل أي عقبة، والوقت ليس عائقاً، بل حتى ولو لم تنزل على ركبتيك أو تقرع صدرك أو ترفع يديك إلى السماء وتقدم فقط غيرتك المتقدة، فقد أكملت صلاتك تماماً.

من الممكن للمرأة وهي تنسج على النول والمغزل في يديها أن تنظر نحو السماء في ذهنها وتدعو الله بكل غيرة، ومن الممكن للرجل المقدم على السوق أن يصلي بيقظة وهو يسير منفرداً، وبالنسبة للشخص الذي يجلس على طاولة العمل يُخيط الجلود أن يوجّه روحه نحو الرب، ومن الممكن للخادم الذي يشتري الإحتياجات وهو يُسرع مجيئاً وذهاباً، أو بينما هو يقف في المطبخ - عندما لا تكون هناك إمكانية أن يذهب إلى الكنيسة أن يُصلي بيقظة وحماسة. فالمكان ليس بشيء يستحي منه الله، بل هو يبحث عن شيء واحد فقط: ذهن متقد وروح رصينة.

لك أن تعلم أن ليست هناك حاجة للمظاهر أو الأماكن أو الأوقات، بل لغيرة القلب والتصرف الكريم، فبولس كان مستلقياً على ظهره في السجن وليس واقفاً فالمطرقة التي تضبط أرجلهما كانت تمنع ذلك عندما حدثت زلزلة بينما كان يصلي بحماسة وهو يرقد، حتى تزعزعت أساسات السجن، وأرتعب الحارس، وبولس أجرى له في وقت لاحق الشعائر المقدسة لدخوله في الإيمان (أعمال 16). وبالمثل لم يكن حزقيا واقفاً منتصباً ولا جاثياً على ركبتيه، بل كان مستلقياً على ظهره في الفراش بسبب المرض، ووجهه إلى الحائط، عندما صلى لله بغيرة وبروح رصينة، فأعاد الحكم الذي كان قد صدر بحقه، وربح استحسان عظيم، واستعاد صحته الجيدة السابقة (2 مل 20). وتجد هذا يحدث ليس فقط مع الرجال القديسين المهمين بل أيضاً مع الأشرار، فقاطع الطريق لم يكن واقفاً في بيت الصلاة ولا جاثياً على ركبتيه بل مشدوداً على الصليب، عندما نال ملكوت السموات بكلمات قليلة (لو 23)، شخص آخر (إرميا) كان في جُب سفلي (إر 38)، آخر (دانيال) كان في جُب للأسود (دا 6)، بل وآخر في جوف الحوت (يون 1)، عند دعوتهم لله بددوا كل المشاكل الواقعة عليهم وربحوا إس تحساناً من فوق.

بقولي هذا، أحثكم بلا توقف للحفاظ على عادة التردد على الكنائس، والصلاة بالمنزل في هدوء، وعندما يسمح الوقت بالجثي على الركب وبسط اليدان. ولكن إذا كنا محاصرين بسبب ضيق الوقت أو المكان وسط حشد من الناس، دعونا لا نتخلى عن الصلاة لهذا السبب، لكن بالطريقة التي ذكرتها يمكنكم الصلاة والتضرع لله، مقتنعين أنكم سوف تحصلون على طلبكم، حتى ولو بتلك الصلاة.

لقد قلت هذا كله لا لكي تُصفقوا وتتعجبوا، بل لكي تمارسوا أنتم أنفسكم هذا الأمر، بالليل والنهار، مُرصعين وقت العمل بالصلاة والتضرعات. لأنه إذا دبرنا شئون حياتنا بهذه الطريقة سوف نعبر هذه الحياة بشكل آمن ونُحقِّق أيضاً ملكوت السموات

 
 

Copyright  www.karozota.com

 
  
 

English