سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

هل مازال هناك ملائكة يبشرون؟

 

الأب يوخنا ياقو

   

 

قد يبدو مثيرًا للبعض العنوان الذي اخترته والذي كان بادئ ذي بدء على صيغة (بشارة الملاك لمريم)، أي موضوع يقتصر على بشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم، ولكن لاحقا أثر بيّ العنوان ليكون على الصيغة أعلاه وتتحول فكرة الموضوع إلى استفسار طالما أثار الجدل في يومياتنا مع قضايا الإيمان وموقعنا من كل ما يرد في الكتاب المقدس واستحالة تطبيقه لدى البعض في القلب والفكر والعمل. ولن يكون طرحنا للموضوع طرحًا لاهوتيًا بل روحيًا ومقدمة بسيطة لكثير من التساؤلات المهمة طرحها والتوصل إلى بعض الخلاصات الروحية منها والتي تخدم القارئ الكريم. والأسئلة هي:

هل ما زال هناك ملائكة يبشرون؟

وإن كانوا يبشرون، فبماذا سيبشرون؟

ولمن سيبشرون؟

 

بعض الاقتباسات من الوحي المقدس:

يعود أصل كلمة "ملاك" حسب اللغة العبرانية واليونانية إلى كلمة رسول، وتشير إلى أناس لا إلى أرواح سماوية، غير أنه في أكثر الأماكن في الكتاب المقدس يشار إلى أرواح خادمة مُرسلة لأجل مهام خاصة. حيث نرى أحدهم يظهر لهاجر (تك 16: 7)، ليعيدها إلى سيدتها سارة وتخضع لها. أما إبراهيم فكان له النصيب الأكبر بظهور ثلاثة منهم (تك 18: 2-22) ليبشروه بولادة اسحق ابنه ويحقق اللـه ما وعده به. وظهر ملاك لبلعام ليمنعه من لعن شعب اللـه (راجع عد 22). أما يشوع المحارب المقدام فكلمه رئيس جند الرب (يشوع 5: 14) ليمنحه العزيمة بمواصلة عبوره إلى أرض كنعان. أما امرأة منوح (قض 13: 3) فقد بشرها الملاك بولادة ابنها يكون نذيرا لله من البطن وهو يبدا يخلص اسرائيل من يد الفلسطينيين، فولد لها ابنا ودُعي اسمه شمشون. ولمّا سقطوا شدوخ وميشخ وعبد نغو موثقين في وسط الأتون كان الملاك الرابع بينهم يحميهم من لهيب النار حتى أن شعرة من رؤوسهم لم تحترق (دا 3: 24-28). وأحد هؤلاء الملائكة سد أفواه الأسود عندما طرح دانيال في جب الأسود (دا 6: 22). ولمّا كان زكريا يكهّن ويقدم البخور في هيكل الرب ظهر الملاك له ليبشره بولادة ملاك بشري آخر، ابنه يوحنا الذي أصبح لاحقا المعمدان (لو 1: 11). أما أمنا مريم، أم يسوع المسيح فقد سبحت للرب ترنيمة عندما ظهر الملاك جبرائيل مبشرًا إياها بولادة مخلص العالم وحبلها من الروح القدس (لو 1: 26-27). وكان للرعاة الذين كانوا يحرسون رعيتهم نصيب من الظهورات الملائكية معزيًا لهم ومبشرًا بفرح عظيم يكون لجميع الشعب بولادة المخلص (لو 2: 8-15). أما يوسف البار الذي لم يشأ أن يشهر بمريم لمّا علم بأنها حبلى قبل ان يجتمعا، إنما أراد تخليتها سرًا فظهر له ملاك الرب في حلم ليؤكد على الولادة العذراوية ليسوع المسيح وأنه سيكون مخلصًا لشعبه (متى 1: 20). والمسيح نفسه بعد تجربته في البرية جاءت الملائكة لتخدمه (متى 4: 11)، ولحظة صراعه الأخير في البستان ظهر ملاك من السماء يقويه (لو 22: 43)، ولحظة قيامته جاء ملاك ودحرج الحجر عن باب القبر وجلس عليه (متى 28: 2)، والعديد من الظهورات الأخرى بعد حادثة القيامة. وبعد صعود الرب إلى السماء، كانوا التلاميذ في مسرى ظهورات عديدة لملائكة الرب مرشدين إياهم ومعزين ومنقذين (أع 8: 26)، (أع 12: 7-10).

 

أين الملائكة اليوم؟

وبعد سرد كل هذه الوقائع عن ظهورات الملائكة وعلاقاتهم المتواصلة مع البشر ونقل مشيئة السماء لئلا تحول إرادة الإنسان في تطبيق ما يجول في خاطره وما هو ببعيد عن المشيئة العليا. يجول في ذهننا التساؤل الآتي: هل ما زال الملائكة يؤدون نفس الوظائف نحو البشر كما نقرأ عنهم في الكتاب المقدس، أم أن هناك رسل آخرون انتسبوا وانتخبوا لهذا المهمة الجليلة الفائقة الطاعة الموجهة من السماء إلى الأرض.

يظهر من الكتاب المقدس أن خدمة الإرسالية كانت تقتصر على تلك الكائنات السماوية، ومن المؤكد بأن اللـه ما زال مواظب على العناية الدؤوبة بأبناءه ليعيدهم إلى صوابهم حينما ينحرفون عن مساره، أو ليبلغهم بإرداة تعجز الإمكانية البشرية عن تقبلها أو تنفيذها دون قوة فوق الطبيعية. وهذا ما أحاول أن أشير إليه في سياق الفكرة.

بعد تجسد الأقنوم الثاني للثالوث الأقدس، الإله الكلمة، في شخص يسوع المسيح، أصبح اتباعه كلهم رُسل، أي ملائكة يقومون تمامًا بما قام به الملائكة سابقا. وهلم نتحاجج على ذلك. فالملاك الذي أعاد هاجر إلى مولاتها سارة ليعيدها إلى رشدها وتتقن درس الطاعة والخضوع، وجدها عند عين الماء في البرية، ظمانة وتعبة من مشقة الهروب. ألا نرى العديد من هؤلاء الأشخاص من حولنا، ممن يقدمون النصائح لنتعلم كيف نخضع ونطيع ونكمل ما وافقنا يومًا على تنفيذه، لكن العقدة هي فينا، إننا لا نرى هؤلاء الملائكة لأن ليس لنا المقدرة على رؤيتهم. أما إبراهيم الذي أطاع اللـه وترك أهله وأرضه ورحل مطيعًا للـه، مَن أقام اللـه معه عهدًا أبديًا بأن يكون نسله كثيرًا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسله أرض الموعد، فلمّا خالف إبراهيم ذلك ولحظة تخوفه على مصير ذلك العهد بدأ بتنفيذ خطته ومشيئته الخاصة. إبراهيم زاره ثلاثة ملائكة ومن بينهم كان الرب، ليمنحوه تعزية وثقة بأن اللـه لا ينسى ولا يخالف أبدًا عهدًا عقده مع المخلصين إليه. ألا نتصور بأن هناك ملائكة من حولنا يذكروننا بأن اللـه ملتزم بعهده معنا وهذا العهد ساري المفعول ولن يبطل أبدًا. للأسف فحال تفقد هؤلاء الملائكة لنا نسقط على وجهنا ونضحك كما فعل إبراهيم غير داركين بأن لا شيء يستحيل على اللـه، لذا إن كنا آمنا يومًا بأن اللـه وعد لنا أمرًا وكنا على ثقة تامة بهذا الوعد، فلندرك بأنه لن يهمل تنفيذه، لكن مشيئته هي فوق الإدراك وتصوره للزمان والمكان بعيد عن إدراكنا بمنظورنا البشري للأمور. أما حكاية بلعام مع الملاك فهي مثيرة للسخرية لبعض قراءها، فهل من الممكن أن يفتح الرب فاه الاتان لينطق بالتوبيخ الذي استحقه بلعام لدى رغبته في لعن شعب اللـه. وكثيرًا ما يضع الرب أناس نتصورهم كالأتان في طريقنا وأضعف وأحقر الخلق، لكن ليس لوجودهم حولنا إلا ليكونوا العائق من تنفيذ ما هو بعيد تمامًا عن ما يريده اللـه من مسيرة حياتنا، لنعود أدراجنا وننطق بما يريده اللـه فقط ان ننطق به كما فعل بلعام. ولتكن مجازتنا لهم ليس بالازدراء والضرب كما عمل بلعام مع اتانه، بل بأن نطلب من الرب أن يكشف عيوننا لنرى سيفهم المسلول الذي هو لأجل حمايتنا. أما الملاك الذي كلم يشوع معلمًا إياه بمن سيُسقط الرب في يده، هكذا هنالك أناس يكلموننا بمن يريد الرب أن يسقطهم في أيدينا ليستمعوا إلى صوت الكرازة وتكون الرعية واحدة وراع واحد.

أما الملاك العجيب الذي كان مع شدوخ وميشخ وعبد نغو، والذي استطاع حتى نبوخذناصر رؤيته، كان يرش في أوجههم بالندى كي لا يحترقوا، ليخرجوا من الأتون سالمين دون أن تلمسهم ولا رائحة النار. لقد نجاهم الملاك من نار الاتون لأنهم وضعوا ولائهم وسجودهم للـه وحده ولم يذعنوا لأمر الملك بأن يخروا ويسجدوا للتمثال الذي عمله الملك. وما زال اللـه أمينا في وعوده لنا، فهو معنا إلى انقضاء الدهر إن كنا نعبده بالحقيقة وحده ونسجد له في حياتنا، لا أن يكون اللـه مجرد الحالة الاستثنائية في حياتنا عندما نطرح في أتون العالم لنصرخ إليه ونرجو مجيئه لينقذنا من لهيب النيران من حولنا. وماذا عن ملاك دانيال الذي هو اختصاصي بسد أفواه الأسود التي ترغب بابتلاعنا، لقد تمم دانيال مقصد اللـه في عبادته، وتضرع إليه فقط، ولم يقدم الطاعة الإلهية لأحد ما سوى للـه، وهكذا بوشاية وزارء وولاة ومشيري داريوس طرح دانيال في جُب الأسود لتفترسه، لكن من كان امينا ومخلصًا في كل ما يعمله ينقذه الرب حتى وإن كان بين أفواه الأسود، وهذه الفقرة لا تحتاج إلى تعليق أو توضيح، فأفواه الأسود التي من حول كل منا كثيرة والجبب اكثر، فما أن تحين فرصة لوزراء وولاة ومشيري هذا العالم حتى قذفوا بنا إلى أسفل الجب، لكن ملاك دانيال واقف بالمرصاد لتلك الأفواه ولن يسمح أبدًا بأن تؤذي من ثبت حتى المنتهى في إيمانه، ولا يعني سقوط المرء إلى أسفل الجب أن اللـه لن يرفعه منه ويعطيه المجد لأنه صلى أمام اللـه وكواه مفتوحة ولم يخف ممن يستطيعوا أن يقتلوا الجسد، عالمًا أن النفس لا يستطيعوا إيذائها.

ولنتحول إلى ملائكة العهد الجديد والتي لا تختلف مهامهم قط عن سابقتها في العهد القديم، فلدى ملاك زكريا نفس السلطان اليوم وهو يستطيع تخرسينا عندما نتساءل أمرًا ونتجاهل حقيقة أن الغير مستطاع عن البشر مستطاع عند اللـه، وأن يكون كلامنا لاحقا بما هو لمجده فقط، وأن يكون ما نؤمئ به أمام الكل ونكتبه على ألواح قلوبنا، وننطق به لاحقا بأن اللـه حنان، وأنه افتقد وصنع فداء لشعبه. والقديسة مريم، الفتاة العذارء التي تحملت أصعب المحن وكانت على وشك أن تتهم بالزنى لولا بر خطيبها يوسف، فهي أيضًا نالت البشارة من الملاك جبرائيل لتكون المختارة بين النساء لتلد ابني العليّ، هكذا لمّا ابتهجت روحها باللـه مخلصها بدأت بالتهلل والتسبيح له، لأنه القدير الذي صنع العظائم واسمه قدوس. ورحمته الى جيل الاجيال للذين يتقونه. صنع قوة بذراعه. شتت المستكبرين بفكر قلوبهم. انزل الاعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين. اشبع الجياع خيرات وصرف الاغنياء فارغين. ما زال الملاك جبرائيل يبشر بولادة المخلص، فكل معرفة بهذا الحدث العظيم عليها ان تقودنا إلى نفس النشيد الذي رنمته مريم للـه في حياتها. لكن لنستوقف تقدمتنا اليوم إلى اللـه وننظر إليها، فكل عام يمر ونحتفل بولادة مخلصنا بطريقة تشين ذلك الحدث العظيم في تاريخ البشرية، لنعيش تلك اللحظة في صخب وفوضى وهيجان، إننا بهذا نرفض بشرى الخلاص، ولا نصغي للسلام والنعمة التي منحنا إياها اللـه بإرسال ابنه الوحيد لأجل فدائنا. فلنعتبر كل شخص ينادي بما يصح أن نقدمه في هذه الأيام المباركة من ذبيحة الطاعة كما فاهت مريم بها "هوذا انا امة الرب. ليكن لي كقولك" ملاكا أرسله اللـه لنا مجددًا ليبشرنا ويذكرنا بالعمل المناط بنا. ويطيل الحديث أن استمرنا بتعداد الملائكة الذين كانت مهمتهم إرساء وتثبيت العزيمة والقوة والصبر والإرشاد لدى البقية الباقية، ممن قالوا للـه لتكن مشيئتك لا مشيئتي.

الحق يُقال: أن المشكلة ليست في عدد الملائكة وغيابهم عن ساحة حياتنا، إنما المشكلة في الأعين التي لا تسمع والأذن التي لا تصغي لِمَ ينادوا به هؤلاء الملائكة. فليبدأ كل منا بالتنقيب والفحص الدقيق عن الملاك الذي يخدمه عن قرب، عالمين إننا إن وجدناه لاهتدى كل منا إلى نقطة البداية.

 
 

Copyright©  www.karozota.com

 
  
 

English