سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

حملان وسط الذئاب

 

 

 

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

   

 

"ها انا ارسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام" (متى 16: 10)

 بعدما طماْن الرب تلاميذه على ضروريات حياتهم في ارساليتهم، وبعد ما سلحهم بقوة اجراء المعجزات، تكلم معهم عمّا هو عتيد ان يصيبهم، هم ومن سياتي بعدهم على مر العصور. واعدهم منذ الابتداء للحرب ضد الشيطان مسبقا قبل ان يحدث ذلك بوقت طويل، وبهذا حقق لهم عدة فوائد: فاْولا، لقد ادرك التلاميذ قوة علمه السابق، ثم انه شدّدهم حتى لايصدموا بهذه الامور عند حدوثها كما لو كانت غير متوقعة وعلى غير ما كانوا يظنون. واخيرا فانه اعدهم حتى لا يضطربوا عندما يسمعون عن الضيقات وعندما يتواجهون مع الصليب، لانهم كانوا منزعجين حقا في ذلك الوقت حينما وبخهم قائلا: "لانني قلت لكم هذا قد ملاء الحزن قلوبكم... وليس احد منكم يساْلني اين تمضي" (يو 16: 5، 6).

ولنلاحظ انه حتى في ذلك الحين لم يكن قد قال لهم شيئا عن نفسه، مثل انه سيوثق ويقبض عليه ويموت، وذلك حتى لا ينشغل بالهم، بل اعلن لهم فقط في ذلك الوقت ما يتعلق بانفسهم هم. وقد اراد الرب ان يعلم تلاميذه انهم بصدد مجال جديد للنضال، وان اسلوب استعدادهم لهذا المجال ليس ماْلوفا لديهم. فها هو يرسلهم مجردين وبلا ثوب (اضافي) ولا احذية ولا عصا ولا كيسا ولا مذودا. وياْمرهم ان يقبلوا ان يعالوا ممن يقبلهم. وهو لم يقصر حديثه عند هذا الحد، بل اوضح قوته التي لايعبر عنها بقوله لهم: وحينما تمضون هكذا، اظهروا وداعة الحملان، رغم انكم ذاهبون الى ذئاب، ليس فقط ذاهبون الى الذئاب بل ايضا ستعيشون وسطهم.

انه ياْمرهم، ليس فقط بوداعة الحملان، بل ايضا ببساطة الحمام. وكاْني به يقول: لاني هكذا ساظهر قوتي كاْعظم ما تكون، حينما تصبح الحملان اْفضل من الذئاب وهي وسط الذئاب وتتلقى منها الاف النهشات والذئاب اْبعد من ان تلتهمهم، بل بالعكس فان الحملان هي التي ستترك تاثيرها عليها، وهذا امر اعظم جدا واكثر عجبا من ان تقتلها. فهي عتيدة ان تغيّر روحها واْن تقوّم عقلها، هذا مع كونهم اثني عشر رسولا فقط وسط العالم كله وهو مليء بالذئاب.

اذن فليتنا نخزى نحن الذين نفعل العكس، الذين ننطلق كالذئاب على اعدائنا. ولكن طالما نحن حملان فسوف نغلب، حتى ولو كان هناك عشرة آلاف ذئب يحومون حولنا، فنحن سنغلبهم بالخير والمحبة. اْما اذا جعلنا اْنفسنا ذئابا فسوف نصير على حال اْسواْ، لان معونة راعينا ستتخلى عنا، لان الرب لايعول الذئاب بل الحملان. انه يتركنا ويعتزل لاننا لانعطيه الفرصة ليظهر قوته معنا. فان وضعنا في اعتبارنا ان كل النصرة تاتي من لدنه، فان اصابنا اي سوء، فحينئذ سيظهر لطفه معنا بقوة. اْما ان كنا نرد على الضربات فاننا نظهر بذلك اْننا نتجاهل نصرته.

ولكنني أتوسّل اليكم أن تسألوا انفسكم: من كان اولئك الذين وُجِهَت اليهم هذه الوصايا الصعبة والشاقة؟ انهم اولئك الوجلون الاميون غير المتعلمين ولا المهذّبين، خاملوا الذكر من كل ناحية، الذين لم يتدرّبوا قط على شرائع الأمم، الذين لم يتهيأوا ليقدّموا انفسهم في المواقف العامة، الصيادون والعشّارون، اناس ذوو ضعف شديد. لأنه ان كانت هذه الصعوبات كافية لأن تُحبِط الاكابر والعظماء، فكم بالأولى تثني وتُفشِل غير المدرّبين في أي ناحية، وعلى الأخص من لم يتمتعوا قط بأية قدرات ذهنية عظيمة؟ ومع ذلك فلم تثنِ هذه الضيقات عزمهم.

ورُبّ من يقول: إن ذلك امر طبيعي جدا، لأنه اعطاهم قوة لتطهير البُرص وإخراج الشياطين. ولكنّي اجيبه هكذا: ان نفس هذا الأمر كان كافيا ليُحيّرهم أكثر، لأنه بالرغم من اقامتهم للموتى كان عليهم أن يجوزوا في تلك الشرور المتعبة، عبرالمحاكمات والأضطهادات والحروب التي سيثيرها الجميع ضدهم، فضلا عن بغضة العالم لهم بصفة عامة، فكيف تقابلهم كل هذه الفظائع وهم يُجرون كل هذه المعجزات؟ فماذا كانت، اذن، تعزيتهم عوض هذه الضيقات جميعاً؟ انها قوة ذاك الّذي ارسلهم. لذا فهو يضع الكلمات أمامهم قبل اي شيء آخر: "ها انذا ارسلكم". وهذا يكفي لتشجيعهم حتى تأمنوا ولا تخشوا أحداً مِمَن يعتدي عليكم.

فهل أنت ترى سلطةً أو امتيازاً أو قوةً غير مقهورة؟ إنه يعني بها، كما يُفهم من كلامه، أن لا تضطربوا حينما آمركم أن تكونوا مثل الحملان والحمام، وأنا أُرسلكم وسط الذئاب، لأني بالحقيقة كنتُ أستطيع أن أفعل العكس، فأجعلكم لا تُقاسون أية أهوال، ولا تتعرضون للذئاب. كنتُ أستطيع أن أجعلكم أقوى جداً من الأسود، ولكن كان من المناسب أن تكونوا هكذا، فإن هذا يُمجِّدكم أيضاً أكثر ويُعلن عن قوتي أكثر.

لقد قال الرب هكذا لبولس: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تُكمَل" (2كو 12: 9)، ولاحظوا الآن أني أنا الذي تسببت في أن تكونوا هكذا، وهو يشير إلى ذلك بقوله: "ها أنا أُرسلكم كغنم". فلا تجزعوا، إذن، لأني أعلم أعلم يقيناً أنه بهذه الوسيلة أكثر من أي وسيلة أخرى ستكونون غير مقهورين من الجميع. بعد ذلك فإنْ كان هؤلاء الرسل ينسبون شيئاً لذواتهم أو إن كـانوا يتصوَّرون أن لا شيء يبدو أنه مـن عمل النعمة، أو كأنه بحكمتهم سوف يُكلَّلون، لـذا قال: "كونوا حُكماءَ كالحيَّات، وبسطاءَ كالحمام".

ولكن رُبَّ سائل: هل إن حكمتنا ستُلازمنا عند الأخطار الداهمة؟ لا. بل كيف سيمكننا اقتناء الحكمة أساساً حينما تطغى علينا الأمواج الكثيرة؟ لأنه دَعْ الحَمَل يكون وديعاً دائماً وهو وسط الذئاب الكثيرة جداً، فماذا تُراه يستطيع أن يفعل؟ ودَعْ الحمامة تكون دائماً بسيطة، فماذا تُراها ستنتفع حينما تُصوَّب السهام لتقضي عليها؟ نجيبه: إن هذا في الواقع لا يَصْدُق مطلقاً مع العجماوات، أما معك فسيَصْدُق كثيراً وبلا شك.

ولكن دعنا نرى أيَّ نوع من الحكمة يتطلَّبها منا الرب، إنه يقول: "حكمة الحية"، لأنه حتى وإن فَقَدَ هذا الحيوان كل شيء، وإن كان يمكن أن يُقطع كل جسمه، فهذا لا يهمه كثيراً في سبيل أن يُنْقَذ رأسه. فالرب يقول افعلْ أنت أيضاً هكذا. فرِّط في كل شيء عدا الإيمان، فالممتلكات والجسد والحياة ذاتها يمكن أن تخضع لكل هذا. أما الرأس فهي الأساس، وإن حُفظت لك الرأس (أي الإيمان) رغم فقدانك كل شيء، فسوف تسترجع الكلَّ بوفرة، بل وبأعظم جداً مما كانت.

وعلى ذلك فهو لم يأمر أن يكون لنا القلب البسيط سليم النية فقط، ولا مجرد الحكمة فقط، بل قد ربط بين الاثنين حتى ما يصيرا معاً فضيلة. فنتخذ لنا حكمة الحيَّة حتى لا نُصاب في أكثر الأمور حيوية لدينا، وكذا تكون لنا بساطة وسلامة قلب الحمامة حتى لا نثأر من فاعلي الشر معنا فلا ننتقم لأنفسنا مِمَّن يتآمرون علينا، حيث إن الحكمة لا تكون بذي جدوى إلاَّ إذا أُلحقت بها البساطة.

والآن لنتساءل: هل هناك ما هو أقسى من هذه الوصايا؟ أَلاَ يكفي فقط احتمال الشر؟ إنه يجيب: لا، لأني لا أسمح لكم قط أن تكونوا ساخطين، وهذه هي صفة الحمامة. كما لو ألقى إنسان قصبة في النار ويأمرها ألاَّ تحترق بالنار، بل بالحري أن تنطفئ.

ومع ذلك فليتنا لا نضطرب. كلاَّ، لأن هذه الأمور قد حدثت فعلاً، وقد تمَّت فعلاً، وقد أُظهِرَت بالحق تماماً، وقد صار الناس حكماء مثل الحيَّات وبسطاء مثل الحمام. وقد تمَّ هذا ليس لأنه قد صارت لهم طبيعة أخرى غير تلك التي لنا، فهُم من نفس طبيعتنا فعلاً.

وليت لا يظن أي واحد أن هذه الوصايا غير عملية، لأن الرب يعرف طبيعة الأمور أكثر من جميع الآخرين. إنه يعرف أن العنف لا يخمده العنف بل الكياسة. وإن كنتَ تريد أن ترى هذه النتيجة مُنفَّذة فعلاً في أعمال الناس أيضاً، فاقرأ سفر أعمال الرسل وسوف ترى كيف أنه كثيراً ما ثار اليهود ضد هؤلاء الرسل وصرُّوا بأسنانهم عليهم؛ أما هم فإذ كانوا يتشبَّهون بالحمامة فيُجيبون بوداعة لائقة أَذْهَبَتْ عن الغاضبين غضبهم، وأخمدت جنونهم، وكسرت حدَّة اندفاعهم. كما حينما قالوا لهم:"أَمَا أوصيناكم وصية أن لا تُعلِّموا بهذا الاسم" (أع 5: 28). ورغم أنهم كانوا قادرين على أن يجروا المزيد من المعجزات إلاَّ أنهم لم يقولوا ولم يفعلوا أي شيء بعنف؛ بل أجابوا عن أنفسهم بكل وداعة قائلين: "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكموا" (أع 4: 19).

فهلاَّ رأيتَ وداعة الحمامة؟ انظر جيداً إلى حكمة الحيَّة: "لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلَّم بما رأينا وسمعنا" (أع 4: 20). أَلاَ ترى كيف يجب أن نكون نحن كاملين في جميع الأمور حتى لا نصغر أمام الخطر فنثور من قبيل الغضب.

 
 

Copyright  www.karozota.com

 
  
 

English