سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

 

صمت المسيح وضجيج الشيطان؟

 

الأب أسعد حنونا

   

 

   بدأ اقول نحن نعيش لحد اليوم في مجتمع شرقي اصيل، مجتمع متمسك بالتقاليد والعادات الدينية الموروثة والمتوارثة من الاباء والاجداد عبر الاجيال، ويتقيد بها وبالطقوس والممارسات والشعائر الدينية التي تصاحبها وممارستها في بعض الاحيان تصل لدرجة القدسية المفرطة (خوف او مصلحة) او الروتين المعقد او الوسواس او تتطور الى نوع من السحر وفقدان السر لرموزه الايمانية وقدسيته ولمعناه الروحي الحقيقي (كأشعال شمعة، كن فيكون). او اعتقاد البعض انها منزلة من السماء غير قابلة للمساس ولايمكن تجديدها كي تكون مناسبة لذلك الزمن وتتماشى مع روح العصر (ما جئت لانقض بل لاكمل). ومن سنها ووضعها اكيد هم بشر مثلنا مع مشاركة وموأزرة وعون والهام الروح القدس، ولكن اين نحن من كل ذلك؟ اين الروح في اصوامنا؟ ما موقفنا من تعاليم الرب يسوع؟ لماذا صام يسوع كل هذه الفترة واين قضاها؟ لماذا جُرب في حين لم يكن بحاجة للصوم وللتجربة من ابليس؟ ما الذي اكد عليه يسوع في صومه وانعزاله؟ اسئلة كثيرة اليوم مطروحة على طاولة ايماننا وتعليمنا المسيحي؟

      - ان الصوم يعتبر زمن او فترة مربكة ومزعجة للانسان تجعله في قلق دائم تارة يتقيد بهذا وتارة يترك ذاك ويتقيد بالامور المادية (الغذاء) وينسى الابعاد الروحية، وروئيته للصوم تتجلى وتتعمق في المنظار الجسدي المادي للصوم (اصوم يومين في الاسبوع واعشر مما املك). ولو انه في الوقت الحاضر اصبح الصوم عند كثيرين اختياريا لم يعد اجباريا وقليلون هم الملتزمون فيه بسبب الظروف او لغاية ما في قلوبهم. في القبل كان الصوم شديدا وصارما وملزما كما السبت عند اليهود والاباء الرهبان كانوا يلتزمون به اشد التزام لدرجة التجرد والابتعاد والحرمان من كل شيء لفترة زمنية طويلة او طيلة فترة الصوم. اما اليوم فالانسان المؤمن صار بحريته وارادته يصوم حسب حاجته وقناعته بكذا ممارسات ومدى استفادته الروحية من كذا فترات وهل ستحقق له شيئا ما. اصبح مسألة قناعة داخلية لا مجرد ممارسة يتمسك بها حرفيا فتفقد كل معانيها الروحية وقيمها والايمانية والانسانية. لتكون دعوة للتضامن والتأزر مع كل انسان، في حاجاته وازماته للتكاتف والوحدة وطلب المعونة من الرب (الصوم هو التطلع نحو المستقبل) والنظر الى الاخر بكل احتياجاته والوقوف معه (الانسان هو مواقف).

       هو انعزال وانزواء في مكان قفر (الذات الباطن) لمراجعة الحياة والدخول الى (الانا) لمعرفة كيفية محاربة ومقاومة الاهواء والشهوات والاغراءات المطروحة امام الانسان لسقوطه من قبل ما يسمى الشيطان، وما تعترضه من تجارب وصعوبات في حياته ورسالته في هذا العالم وليس انسحاب من الساحة بل مجابهة وتحدي وصراع ابدي. فيسوع انعزل في برية حياته واختبر الضعف البشري امام المغريات المقدمة من قبل ابليس وقدر ان ينتصر عليها وبرهن للانسان ان الارادة والايمان والثقة بالله قادرة لان تجعله يهزم الشر. وليرى كيف سيباشر ويبدأ رسالته الخلاصية وبأي اسلوب واي منهج سيعلم الناس طريق الملكوت معلنا حضور الله الحقيقي والدائم  في العالم. والابتعاد عن كل ما يؤذي انسانيته وايمانه وروحانيته، وعن كل ماهو جسدي ومادي (عبادة الجسد والمال والجمال والنفس والاصنام الكثيرة في حياتنا) وكل ما يشده الى هذا العالم الفاني ليحطمه ويفنيه، فترة اعادة النظر في كل العلاقات وخلق روابط واواصر جديدة ومتينة مبنية وقائمة على المحبة والتسامح وقبول الاخر.

      نجد عند متى ولوقا ثلاث صور فوتوغرافية رائعة وثلاث مشاهد عظيمة للصراع الدائم بين الانسان والشيطان بين قوى الخير والشر بين ما يشدنا نحو الله وما يشدنا نحو الشيطان ما يجعلنا تعساء وما يجعلنا سعداء. نرى يسوع الشخص الصامت والهاديء والقوي بأيمانه يقف امام الشيطان كالجبل الشامخ والسد المنيع الذي لا يتزعزع، لا نتصور يسوع واقف امام كائن مرئي او شخص مادي (جسد) نلمسه ونراه خاضع للحواس بل في تفسيرنا الكتابي واللاهوتي والروحي اليوم الانسان يدخل الى باطنه ويكون حائرا امام حالة القبول او الرفض امام حالة المحاربة والانتصار او اليأس والاستسلام. الشر موجود في العالم والانسان مدعو للمجابهة. يسوع في حوار مع ذاته، يتحدث مع نفسه ويقرر في النهاية ما هو الخطأ وما هو الصواب كأنسان امام كل هذه المغريات المادية الجبارة والعظيمة التي ترفع من شأن الانسان وتعظمه، لكنه لم ينسى انها مقدمة من ابليس الذي يريد ابتلاع العالم بكل ما اوتيت له من قوة واساليب الخداع للايقاع بالانسان. فالان يسوع امام خيارين اما ان يقبلها ويخسر كل الامتيازات الالهية او يرفضها بالتالي برفضه اياها يكون قد كسب ود الله ومحبته ويرى في الله دائما وابدا هدفه النهائي والاسمى، فله وحده يعبد ويطيع ويسمع ويسجد مكملا الطريق التي بدأها من يوم مجيئه ليقدم في النهاية ذاته وحياته على الصليب من اجل البشر. يسوع بهذه التجارب اكتشف الله في داخله ومنه انطلق وعلمنا مجابهة الشر كيفما كان ومهما كانت اسلحته وادواته لتدمير البشرية وجرها للحضيض اللاانساني واللااخلاقي.

   

كيف يظهر يسوع في هذه المشاهد:

يظهر يسوع في هذه المشاهد القصيرة بمظهر اسرائيل الجديد الذي جرب في البرية  لمدة اربعين سنة عن خروجه من مصر الى ارض الميعاد، يسوع انتصر في مسيرته اما اسرائيل فقد فشل امام امتحان واختبار الله له جراء عدم ثقته ويقينه به والتفكير في نفسه فقط والانجرار دائما خلف اصنام غريبة. يسوع  ليس لكونه ابنا لله اجتاز هذا الاختبار بل لكونه وثق بالله واتكل عليه وعرف ماهي متطلبات الحياة الضرورية فدخل في حلبة الصراع وهو لابس درع الثقة والمحبة والرجاء بالله ولم يدع الشيطان يفصله عن محبة الله والله نفسه  فخذله وارجعه خائبا وكما يقول المزمر (الذي يتكل على الله لايهلك ابدا).

فيسوع هو موسى الجديد صاحب الشريعة الجديدة شريعة المحبة، نراه انسانا مؤمنا وقويا لا خائفا ومترددا امام دعوة الله يكافح ويناضل ويقاتل امام الشر لحين هزيمته والانتصار عليه واعلاء شأن واسم الله في الاعالي (المجد لله في العلى) (مبارك اسم الرب).

     اذا هذه التجارب التي تكلمنا عنها نختصرها في:

(1) تجربة صون الذات - يسوع لايبحث عن مصلحته الشخصية ولا يفكر بنفسه، لايرضي حاجاته (الآنية) رفض العيش برخاء دون جهد وتعب شخصي.

(2) الشهرة والسلطان - يرفض السلطة التي ليست خدمة.

(3) رفض الامتيازات (نعبد الله وحده) السجود لله فقط، تجربة ترك الله وعبادة الشيطان والانصياع لقوة الشر، يرفض المسيح جحود الله ونكرانه وعدم الاعتراف به بل يستسلم له للنهاية.

      في هذه المشاهد الثلاث ترسم لنا صورة واضحة عن برنامج يسوع الخلاصي:

(1) كفاحه ضد الشر

(2) تفانيه لرسالته وانكار ذاته

(3) طاعة الله الاب وحده. فيسوع صام ليس لحاجته للصوم بل ليكمل الناموس والشريعة والانبياء اما نحن فصومنا هو لحاجتنا الى الله ليس لان الكنيسة اوصت او مكتوب بالرزنامة، بل لانه فعل ينفعنا في تقوية ايماننا وغايته التركيز على الله والذات والاخر في جوهره واهدافه والعودة اليهما، عودة الى الابوة الالهية والاخوة البشرية والمصالحة والمشاركة والمقاسمة، زمن الاقتداء بالمعلم الالهي في الانتصار ضد مغريات الحياة، بذلك يصبح عمل الروح القدس في داخلنا سهل جدا ويوصلنا الى لحظة رفع الحواجز بيني وبين الاخر فالانسان يعيش للاخر لا لنفسه. وانه بدون الله لاينفع شيء وانه بدون الله لايقدر على فعل شيء (بدوني لاتقدروا ان تفعلوا شيئا). اذا هو زمن التوبة والاهتداء والرجوع الى مائدة وحضن الرب ووليمته السماوية والاحتفال بقيامة الرب وزمن الانسلاخ من الانسان القديم وارتداء الانسان الجديد (المولود من الروح).

 
 

Copyright  www.karozota.com

 
  
 

English