سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

الجاثليق مار آبا الكبير وإصلاحاته (540-552)

 

كتاب "تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية" – الأب ألبير أبونا

   

 

كانت سنة 540 بدء عهد مشرق ومطلع فجر جديد لكنيسة المشرق. ففي هذه السنة تمّ انتخاب مار آبا الكبير جاثليقـًا عليها. وتجمع المصادر على إطراء مناقب هذا الرجل العظيم والتحدث عن سيرته الفاضلة وأعماله الإصلاحية المجيدة [1].

أبصر مار آبا النور سنة 490 في قرية ((حالا)) من أعمال رادان الواقعة جنوبي جبال حمرين على الشاطئ الشرقي من دجلة بين نهري ديالى والعظيم، وتربّى في الديانة المزدية وتقلد وظيفة مرموقة في الدولة. ولكن نعمة مسته بواسطة تلميذ من مدرسة نصيبين يُدعى يوسف الملقب بموسى. فاهتدى إلى النصرانية وعكف على ارتشاف العلوم الدينية في مدرسة نصيبين. وبعد أن قام بأسفار تبشيرية في منطقة أرزن وأخرى إلى الاسكندرية وإلى قسطنطينية بغية تعلم اللغة اليونانية، عاد إلى نصيبين حيث أقيم أستاذا في مدرستها حتى انتخابه جاثليقـًا سنة 540. وما إن أخذ بزمام الرئاسة حتى راح يصلح بهمة ونشاط كل الفساد الذي تسرب في الأنظمة الكنسية. وبدأ جولته الراعوية في خريف هذه السنة عينها، يرافقه فيها تسعة أساقفة. فذهب إلى فرات ميشان، ثم إلى هرمزارداشير ومنها إلى روارداشير حيث أقال الأسقف آقاق. ومن هناك توجه إلى شوشتر حيث كان أسقف غير شرعي يسوس الأمور الكنسية، فرده مار آبا إلى خدمته الكهنوتية وانطلق إلى بيث لافاط حيث كان شخص جاحد قد اغتصب لقب الميطرافوليط، فحرمه مار آبا وعزله [2]. ولما لم يتمكن من الذهاب إلى منطقة سجستان، قرر، بالاتفاق مع الأساقفة معاونيه، أن يقسموا هذه الأبرشية بين أسقفيها، على أن تـُعاد إليها وحدتها حالما يموت أحد الأسقفين. ثم أكد مار آبا سلطته المباشرة على الأبرشيتين الكبريين نصيبين وبيث لافاط، واختص نفسه بحق إقرار وتثبيت مطارنتها.

ولكن هذا النشاط الرسولي أقض مضاجع المجوس. لا سيما وأن مار آبا هدى منهم خلقـًا كثيرًا إلى النصرانية في أرزن وفي مناطق أخرى من الامبراطورية الفارسية. وكان المجوس يعتبرونه دومًا جاحدًا مرتدًا عن ديانة آبائه وعن دين الدولة الرسمي. وتوصلوا إلى دفع الملك كسرى الأول أنوشروان إلى نفيه إلى بلدة ((كنزك)) الواقعة في منطقة نائية من أذربيجان. ومكث هناك سبع سنين إلا أن هذا الإبعاد لم يثن البطريرك العظيم عن نشاطه. فقد ظل يدير شؤون الكنيسة من هناك برسائله الراعوية وبالاجتماعات التي كان يعقدها مع المتقاطرين إلى زيارته في منفاه، وما أكثر المسيحيين الذين تجشموا مشاق هذا السفر الطويل للالتقاء براعيهم العظيم.

وحينما أحس مار آبا أن مؤامرة تـُحاك لاغتياله هناك، فرّ قاصدًا المداين وظهر أمام الملك على حين غرة، وطلب منه أن يبت هو في أمره وألا يدعه عرضة لظلم أناس مغرضين يضمرون العداء للمسيحية. ولكن الملك أظهر نحوه تسامحًا كبيرًا وحماه من كيد المجوس وأعوانهم وأكرم مثواه، لا سيما بعد أن عاين إخلاصه وعمله السامي في مشكلة تمرد أثارها أحد أبنائه عليه في منطقة بيث لافاط. وقضى مار آبا أيامه الأخيرة متمتعًا بحرية نسبية، إلى أن وافته المنية في ساليق في الجمعة الثانية من الصوم الكبير الواقعة في 29 شباط سنة 552.

أما الأعمال الجلية التي قام بها هذا الجاثليق الهمام فهي كثيرة تدور حول تنظيم شؤون الكنيسة وترتيب طقوسها. ورغم الاضطراب الذي تعرّض له في حياته، فقد نقل كتابات كثيرة إلى السريانية ووضع غيرها لفائدة المؤمنين. ولكن عظمة مار آبا تظهر خصوصًا بالقوانين التي سنها للكنيسة وبالحلول التي قدمها للمشاكل الكثيرة التي خلقها أسلافه الجثالقة. فقد عقد مجمعًا سنة 544 فيه سنّ ست وثائق هامة:

1) تدور الوثيقة الأولى حول الإصلاحات التي أجراها في شتى الأبرشيات التي كان قد تسرّب فيها كثير من الاضطرابات والمنافسات على السلطة. فبدأ حملة، كما قلنا، استهدفت إعادة النظام والسلطة إلى أصحابها الشرعيين. وقد لاقى مار آبا صعوبات جمّة في اعادة الأمور إلى حالتها الطبيعية بعد تلك الفوضى التي كانت قد ضربت أطنابها في الكنيسة الشرقية.

2) تتطرق الوثيقة الثانية إلى الإيمان الأرثوذكسي مستعرضة صورة هذا الإيمان [3] التي تظهر لنا صحيحة التعابير في خطوطها الكبرى فيها يخص الاعتراف بالثالوث وبوحدة الشخص في يسوع المسيح الذي هو إله واتخذ الطبيعة البشرية التي بها احتمل الآلام والموت فداءً عن البشر.

3) وفي الوثيقة الثالثة يحاول مار آبا إصلاح ما فسد في أخلاق الرؤوساء الكنسيين وفي تصرفات المؤمنين، فيقدم للجميع التقوى وخوف الرب كأساس للحياة الروحية وللعيشة الصالحة، ويحذر الإقليروس من التدخل فيما لا يعنيهم ومن إثارة الفتن بين العلمانيين وبين بعضهم، ويمنعهم من تسلم إدارة الشؤون المادية والتفرغ لها. ثم تتطرق الوثيقة إلى الزواجات غير الشرعية التي أقدم عليها المسيحيون أسوة بالمجوس وباليهود، فتمنع تعدّد الزوجات والاقتران بمن يأباه الشرع الطبيعي من جراء القرابة الدموية.

4) تلغي هذه الوثيقة ما جرى إبّان فترة الرئاسة المزدوجة في كنيسة المشرق، فتبطل الجاثليقين نرساي وأليشاع كليهما من الرتبة البطريركية وتسقطهما من لائحة الجثالقة، وتبطل أيضًا كل ما جرى بينهما من الحرومات المتبادلة وتنظم شؤون المطارنة الذين أقيموا على الأبرشيات خلال هذه المدة المضطربة.

5) ترتب هذه الوثيقة الشؤون الخاصة بأبرشيتي نصيبين وبيث لافاط وتخضعهما مباشرة لسلطة الجاثليق الذي بدونه لا يجوز إقامة مطرافوليطين لهاتين الأبرشيتين.

6) وتسمى هذه الوثيقة (العملية) [براقطيقي] وهي تتطرق إلى القوانين العملية الخاصة بالخلافة على الكرسي الجاثليقي بعد موت مار آبا. فهي تبعد عن هذا المنصب كل شخص محروم أو مذنب أو طماع أو أناني أو جشع أو كل من يفضّل اللذة على محبة الله. ثم تحدد الوثيقة كيفية انتخاب البطريرك: يتفق أساقفة الأبرشية البطريركية ويستقدمون مطارنة الأبرشيات الأربع الكبرى بيث لافاط، فرات ميشان، أربيل وبيث سلوخ، أو على الأقل ثلاثة من هؤلاء المطارنة. ويصطحب كل مطران ثلاثة من أساقفته ويأتون إلى الانتخاب ويتفق الجميع على انتخاب شخص بعيد عن كل خبث وثابت وساهر على الإيمان الصحيح وغيور على العقيدة الأرثوذكسية ومتمسك بالقوانين لكي يدير بحكمة وطهارة وقداسة. ثم تتم رسامته في كنيسة كوخي بحسب تقليد الآباء القديسين ويقيمونه على كرسي الجثلقة.

وعدا هذه الوثائق المجمعية، سنّ مار آبا الكبير أربعين قانونا تتناول المسائل العملية وتنظم شؤون الكنيسة وواجبات رعاتها والتزامات المؤمنين [4]. وقد أسس مار آبا أيضًا مدرسة في ساليق أصبحت من المراكز الهامة للثقافة الدينية واللغوية.

 ------------------------------------------------------------------------------- 

[1] طالع كتاب أدب اللغة الآرامية، ص 142-151

[2] المجامع الشرقية، ص 68-95 والترجمة، ص 318-351

[3] المجامع الشرقية، ص 540-543، ص 550-553

[4] المجامع الشرقية، ص 545-550، ص 555-559، طالع أيضًا حياة مار آبا الكبير التي نشرها بيجان في باريس سنة 1895، مع حياة مار يهبالاها الثالث (ص206-274)، وفي ذيلها رسالة مار آبا (ص274-287). وقد ترجم المؤلف حياة مار آبا إلى العربية ولكنها لم تـُنشر حتى الآن.

 
 

Copyright©  www.karozota.com

 
  
 

English