SV الرئيسية تاريــخ لاهــوت   نشاطات أخبار سؤال وجواب  

تعازي وأحزان

شارك الآخرين أفراحك

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

إقرأ المزيد عن الكنيسة

إنجيل الاسبوع

 

سؤال الشهر

 

مــيــديا

 

تـــقـــويــم

 

مــشــاركات

 

أرشيف

 

تـــحــميل

 

روابــــط

 

إتصل بـــنـــا

 

وصية

 جديدة انا اعطيكم ان تحبوا بعضكم بعضا. كما احببتكم انا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا.

 

 

الأوخارستيا.. لقاء بالمسيح الناهض

 

الأب يوحنا عيسى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منذ أن ولدت الكنيسة من رحم القيامة، قبل ألفي عام خلت، لم تزل تحتفل بالمسيح المائت والناهض، من خلال أحد أسرارها ألا وهو القربان المقدس.

إلى هذا السر أود التطرق في هذا المقال للتعريف بالمعاني السامية المتضمنة فيه والكشف عن مختلف جوانبه وأبعاده، طريقا إلى عيشه.

 

أسماء هذا السر

    وإذا عدنا إلى الوراء، بحثا عن الأسماء التي أطلقت على هذا العمل الذي قام به المسيحيون، عبر التاريخ، وما يزالون يقومون به، عاما بعد عام، وفي كل أحد وعيد، سنجد أن هناك أسماء عديدة ومختلفة.

   فأول اسم أطلق على هذا العمل إنما هو اسم "كسر الخبز"، ذلك أن يسوع، إذ أخذ خبزاً في العشاء، كسره. من هنا جاءت هذه التسمية الأولى.

   وقد ورد هذا الاسم في العهد الجديد كما ورد في كتاب "الديداكي" الذي يعود إلى نهاية القرن الأول الميلادي. فالقديس لوقا، إذ يروي قصة تلميذي عماوس، يكتب قائلا: "ولما اتكأ معهما أخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما.. لوقا 24: 30". ويكتب المؤلف نفسه في سفر أعمال الرسل قائلا: "وكانوا مواظبين على تعاليم الرسل والشركة في كسر الخبز والصلوات.. أع 2: 42". وجاء في كتاب الديداكي: "في يوم الرب اجتمعوا واكسروا الخبز واشكروا، بعد أن تعترفوا بخطاياكم لتكون ذبيحتكم طاهرة".

   فمن الملاحظ أن هذا الكتاب، في الوقت الذي لا يزال يطلق على هذا السر اسم كسر الخبز، يسميه أيضا فعل الشكر. وهذا هو معنى كلمة الأوخارستيا في اللغة اليونانية. يكتب مؤلف هذا الكتاب قائلا: "دعوا الأنبياء يشكرون ما طاب لهم الشكر". ذلك إن الأنبياء كانوا يقومون إذ ذاك بخدمة مزدوجة: خدمة الأوخارستيا وخدمة الكلمة.

   ومن ثم تعاقبت الأسماء التي أطلقت على هذا العمل: القربان، الذبيحة، القداس وغيرها من الأسماء. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن ما من اسم يمكنه أن يحتوي هذا السر العظيم إذ يبقى فوق أي تعريف وأي تحديد.

 

 

ما هي الأوخارستيا؟

   قد يكمن الجواب على هذا السؤال في كل الأسماء العديدة والمختلفة التي أطلقت على هذا السر ذلك أن كل اسم ينظر إلى هذا العمل من رؤية أو زاوية مختلفة ومعينة. وبجمع كل هذه الرؤى والزوايا، تجتمع الصورة.

   إن هذه الصورة تحمل، ولاشك، معنى واحدا وأساسيا ألا وهو المسيح. فسواء دعي هذا العمل بالخبز أو الفصح أو القربان أو الذبيحة أو القداس، فإن المقصود هو واحد: يسوع المسيح، يسوع المسيح الكاهن، والمسيح الذبيحة، إذ استطاع هو وحده أن يجمع في شخصه هاتين الوظيفتين، في الوقت الذي كانتا منفصلتين في العهد القديم.

   أجل الأوخارستيا هي المسيح الكاهن الذي قدم وما يزال يقدم ذاته قربانا وذبيحة لله أبيه، هذه الذبيحة التي ارتضاها الله كونها ذبيحة ابنه. وهذا ما يعنيه يسوع المسيح عندما يكسر الخبز، هذا الخبز الذي يرمز إلى جسده أي إلى المسيح المصلوب والمائت، ذلك أن كلمة الجسد، في الكتاب المقدس، لا تعني فقط الجسد المادي وإنما أيضا "أنا" فلان وفلانة.

   كما أن الأوخارستيا هي المسيح القربان أو الذبيحة التي قدمها وما يزال يقدمها يسوع المسيح الناهض طاعة لله أبيه وحبا بالإنسان وتكفيراً عن خطاياه، إذ حررنا وخلصنا منها.

   ففيما كان الحيوان، في العهد القديم، هو الذبيحة المقدمة إلى الله، أصبح شخص يسوع المسيح هو الضحية أو الذبيحة، يكتب القديس بولس، في رسالته إلى مؤمني قورنثوس قائلا: "فصحنا هو المسيح.. قور 5 : 7".

   فلقد كان القديس بولس، وهو يكتب هذه العبارة، على علم ودراية تامة بأن لليهود فصحهم حيث كانوا يحيون ذكرى تحررهم من عبودية مصر ويذبحون حملا أو جديا لا عيب فيه يأكلون منه.

   أما فصح المسيحيين فهو يختلف ويتميز عن فصح اليهود، إذ لم يعد ذكرى خروجهم من أرض مصر وإنما ذكرى خروج يسوع من هذا العالم إلى عالم أبيه، عبر موته وقيامته. كما أن فصح المسيحيين لم يعد حيوانا يؤكل وإنما شخص يسوع المسيح الذي أصبح الحمل المذبوح.. أي الذبيحة.

   ولما كان يسوع المسيح هو حمل الله المذبوح، فهذا يعني أنه هو الذي أصبح طعامنا وليس الحيوان كما لدى اليهود. من هنا نفهم أن الأوخارستيا إن هي إلا غذاء روحي. ومن خلال دعوتنا إلى تناول هذا الطعام، فإنما يود يسوع أن يدخل معنا في علاقة وشركة محبة، شأن الناس في هذا العالم الذي يدعون آخرين إلى تناول الطعام لكي يدخلوا في شركة محبة معهم.

   وإذ يحتفل المسيحيون، كل عام بل كل أحد وعيد، بفصح المسيح، فإنما يحتفلون بذكرى خروجه من هذا العالم وبالتالي ذكرى خروجهم وتحررهم من الخطيئة، لكي يصيروا أناسا جدد مدعويين إلى حياة جديدة وبالتالي يفعلون فعل الخميرة الجديدة في العجين أي في عالم اليوم. فيتغلغلون فيه ويؤثرون عليه بقوة إيمانهم ومحبتهم ومبادئهم المسيحية.

   وإلى هذا التجديد والتطهير يشير القديس بولس في رسالته داعيا المسيحيين إلى أن يعيدوا لا بالخميرة القديمة وبخميرة الشر والفساد، بل بفطير النقاوة والحق "1 قور 5: 8"، أي أنه يدعوهم إلى نزع الأهواء والشهوات لكي يتمكنوا من إقامة فصح المسيح.

 

 

الأوخارستيا لقاء بالمسيح الناهض

  لما كانت الأوخارستيا هي المسيح المائت والرب الناهض والحي، فمن المؤكد أن المسيحي، وهو يشترك في الأوخارستيا، إنما يلتقي بالمسيح المائت والرب الناهض الحي والحاضر في هذه الأوخارستيا كما هو حاضر في الصلاة والكلمة وفي الرسالة. إن الأوخارستيا هي لقاء أحياء. لقاء يسوع المسيح الحي مع المسيحي الحي. إلا أن هذا اللقاء لا يعود إلى نمط اللقاءات الحسية وإنما إلى نمط اللقاءات الإيمانية إذ يتطلب الإيمان، ومن دونه لا معنى له.

   ويتم هذا اللقاء، بمبادرة شخصية من الرب المسيح الحي وليس بمبادرة إنسان ما، مهما كان، سواء كان هذا الإنسان كاهنا أو مطرانا أو بطريركا أو بابا. فالمسيح هو الذي يدعو إليه.. وهو الذي يوجه الدعوة إلى جميع المؤمنين من دون استثناء، ما يضفي عليه طابعا جماعيا وإيمانيا، فلا لقاء من دون الرب الذي يدعو إليه. كما إنه لقاء من دون جماعة. وأخيرا لا لقاء ولا جماعة من دون الإيمان. إنه لقاء الجماعة بل الجماعة المؤمنة بالرب يسوع. فالرب والإيمان هما في أصل هذا اللقاء وهما اللذان يجعلانه ممكنا. كما أن الرب هو الذي يترأسه وهو الذي يقيم الأوخارستيا وفي ذات الوقت هو الأوخارستيا. وأخيرا هو الذي يوزعها على المؤمنين. وما الكاهن أو الأسقف أو البطريرك أو البابا سوى خادم هذا الكاهن أو هذا رئيس الأحبار كما يسميه بولس في رسالته إلى العبرانيين.

   ويهدف هذا اللقاء إلى استذكار المسيح واستحضاره، لكي يجعله آنيا أي حاليا. فلا يكون المسيح رجلاً من الماضي، بل من الحاضر والمستقبل، مسيح كل الأجيال. كما إنه يهدف إلى الاندماج والاتحاد مع المسيح. وكذلك يهدف إلى عيش المسيح الحي، وليس فقط إلى التعبير عن الإيمان، وذلك عبر مشاركته في موته وقيامته بحيث يغدو المسيحي حيا على غرار المسيح الحي. وأخيرا يهدف إلى المقاسمة، عبر هذا الطعام، مع الرب ومع الأخوة. ومن هنا يجب التأكيد ليس فقط على الجانب الشخصي من هذا اللقاء، وإنما على الجانب الجماعي. وإذ يشترك المسيحي في هذا اللقاء، فإنما بصفته عضوا في الجماعة وليس فردا معزولا عن الآخرين.

وما على المؤمن، فردا وجماعة، إلا التجاوب التام والكامل مع هذه الدعوة ملبيا إياها بفرح، فرح المشاركة في انتصار المسيح. وكذلك عليه التجاوب مع هذه الدعوة، لكي يتقاسم هذه الوليمة الروحية، هذا الطعام الروحي الذي يقويه ويغذيه ويمده بالقوة الضرورية من أجل الانطلاق من جديد إلى الرسالة ومن أجل مواصلة الطريق نحو الآب.

  فالمؤمن يتوهم كثيرا إذا اعتقد بأن دوره ينتهي بانتهاء القداس، على العكس، فإذ ينتهي هذا الدور، فإن دورا آخر يبدأ، عليه أن يلعبه ألا وهو حمل الرسالة ذلك أن الأوخارستيا والرسالة وجهان مرتبطان ارتباطا وثيقا وقويا. فلا رسالة من دون اوخارستيا، كما أنه لا أوخارستيا من دون رسالة.

   ولذا، ففي الوقت الذي، على الكنيسة أن تكوّن المؤمنين على الرسالة، ينبغي لها أن تكوّنهم على الأوخارستيا.. ذلك أن بنية الكنيسة بنية أوخارستية ولأن الكنيسة تحيا بالأوخارستيا التي هي "منبع الحياة المسيحية وقمتها".. ذلك أن الأوخارستيا الكلية القداسة تحتوي على كنز الكنيسة بأجمعه. أي على المسيح بالذات، الذي صار فصحنا والخبز الحي والذي جسده يحييه الروح القدس ويحيي، يعطي الحياة للناس.

   ويسعدنا القول إنه، بقدر ما يبتعد بعض المؤمنين عن الأوخارستيا والرسالة، لأسباب عديدة ومختلفة لا مجال لنا هنا في الخوض فيها، بقدر ذلك يزداد المؤمنون ولا سيما النخب وعيا وعمقا بأهمية الأوخارستيا وأبعادها في حياتنا المسيحية الراهنة.

 

   Copyright « 2007-2008 www.karozota.com

             Ísterns Gamla Kyrka