|
الولادة بلا شك تمثل حدثا جديدا وواقعا يطرأ على العائلة ويستنفر كل قواها
وامكانياتها، وقد تكون هذه الحياة الجديدة املا جديدا وايضا رجاء اكيدا لتغير
وتحسين اوضاع العائلة بكافة احتياجاتها. وولادة المسيح العجائبية هي ايضا تمثل تحول
وتغير جذري وانتقال من حالة الى اخرى في نطاق اسرة يسوع (قلق واستغراب وفرح). والكل
يسأل ياترى ماذا سيكون هذا الطفل المولود بقدرة العلي وبقوة الروح القدس؟ التنبوأت
والتوقعات والتكهنات وتفسير نبؤات العهد القديم والشائعات كلها تثير زوبعة من
علامات الاستفهام حول هذا الشخص. ياترى هذا الذي تكلموا عنه الانبياء وسطروه في
الكتب هل هو نفسه الاتي؟ وما الذي سيحققه لشعبه ولامته اليهودية الرازحة تحت ثقل
الاحتلال الروماني وهل سيكون هو المخلص الموعود به الذي سيقودهم للخلاص من نيرهذه
العبودية؟
بعد ان شك يوسف
وأضطرب واحتار وقت البشارة امام طلب الله ومعرفته بحبل مريم وما تنص عليه الشريعة
وما تؤول اليه الامور اذا عرفوا اليهود انها حبلى وهو لم يقترب اليها وهما لازالا
مخطوبين فلا يدري ما يفعل وكيف سيعالج المسألة، فكر مليا بكلام الملاك (تدخل الله،
حضور الله، صوت الله) واعاد النظر في حساباته البشرية واستسلم للمشيئة الالهية وقبل
مريم املا في ان يكون قد حافظ على خطيبته وعهده معها واشترك ولو بجزء يسير في اتمام
وعود الله مع البشر.
مريم ايضا بدورها
وقفت مندهشة ومتعجبة ومستغربة امام هذا الطلب الرباني، هذا العرض الغريب من نوعه
والذي يكاد يكون مستحيلا وتعجيزيا ويفوق الادراك البشري لاناس بسطاء مثل مريم ويوسف
(كيف يكون هذا وانا لا اعرف رجلا) حوار ((بشري والهي)) دار بين مريم والملاك
لتستفهم عن الامر، ولكن في النهاية يأتي جوابها قاطعا وردها نهائيا واستسلام كامل
للمشيئة الالهية (ها انا امة للرب فليكن حسب قولك)، عكس زكريا الذي كان خائفا
ومترددا ومحبطا وعاجزا وشكك بوعود الله وامانته. وها هوذا اشعيا النبي يقول عن
الماسيا المنتظر انه سيولد من عذراء ويدعى اسمه عمانوئيل (الله معنا)، والانبياء
الاخرون تنبأوا عن صلبه والامه وموته وقيامته. فهل سيكون هو حقا النبي الذي انتظره
اليهود طويلا، ذاك الذي هو سليل داود الذي مسح ملكا في بيت لحم والمسيح ولد فيها
ممسوحا من الرب؟ وهيرودس يسأل ويستفسرعن الطفل المولود ماذا تقول عنه الكتب
والتوراة والانبياء، ايكون ملكا؟ والمجوس اتوا وقدموا له السجود والهدايا بعد ان
شاهدوا النجمة وتبعوها.
لاشك انه بولادة
يسوع بدأ الله مشروعا جديدا وعهدا جديدا مع شعبه، سبق وان سار معه في البرية ووعده
وكلمه مرات عديدة وبأشباه شتى في موسى وايليا والانبياء (اله ابراهيم واسحق ويعقوب)
والشعب دائما كان يعرقل هذه المسيرة ويتبع الهة غريبة لا تشعر بمعاناة الانسان ولا
تلبي حاجاته. بدأ الله مشروعه مع الانسان الذي هلكته ودمرته الخطيئة وبات عبدا لها
(امراض العصر) وتكبره جعله يبتلع الطعم (السقطة) بسهولة ويفقد صداقة الله ومحبته.
بهذه المبادرة الجديدة وهذا العرض السخي المقدم من قبل لله الانسان بحاجة لان يعيد
النظر في كل علاقاته وخياراته ويعطي لها معنا وثوبا ونهجا واسلوبا ومسارا جديدا ((الامانة
لله)). فالله لا يغضب عندما يبتعد الانسان ويتنكر لمحبته ورحمته، لان الانسان يتغير
ويلبس لباسا ويتلون بالوان كثيرة اما الله فهو هو باق على ما هو عليه للابد ((هو
هو بالامس واليوم والى الابد)) محبته تدوم للابد ومراحمه لاتنتهي.
في فترة مجيء
المسيح وحياته العلنية والتبشيرية والرسولية نلاحظ ان اليهود وخاصة الفريسين (طبقة
الكهنة والشيوخ) رفضوا كل التعاليم الجديدة المقدمة والمطروحة من قبل الرب يسوع
لانها احدثت ضجة وثورة وانقلابا في الوسط اليهودي فهي تدعو للتغير الشامل والكامل
ايمانيا وروحيا واخلاقيا فحاربوها بشتى الوسائل وقتلوه بعد ان كانوا سابقا قد
شوهوا صورة الله ابوه (الاب، الخالق، القدير، المحب، الكريم) واطروها واستخدموها
لاشباع رغباتهم الانية والانانية والوصول لمأربهم. تخلصوا من يسوع الذي كان يشكل
خطرا جسيما وتهديدا حقيقيا لمصالحهم الدينية والدنيوية. ارادوا (ماسيا) مثل قيصر
متسلطا ومستبدا ورغم الحرية القليلة التي منحها لهم لكنه يناسبهم ويحقق كل ما
يطمحون اليه. والمشكلة ان المسيح الاتي ابن داود والنازل من السماء ((الخبز الحي،
الماء الحي)) لم يكن حسب توقعات الفريسين والكهنة والكتبة والشيوخ بل كان مسيحا اخر
شخصا متواضعا وبسيطا وميلاده كان في مذود ودخوله لاورشليم لم يكن ملوكيا ونهايته
كانت على خشبة الصليب.
لقد اراد الله
بميلاد ابنه يسوع ان يشاركنا في طبيعتنا البشرية ويجددها وان يكون واحدا منا وشبيها
بنا في كل شيء عدا الخطيئة (ماربولص) ويرقى بأنسانيتنا لتصل لدرجة الالوهية والكمال،
ارسل ابنه الوحيد ليأخذ جسدنا وهويتنا ويعيش كل ابعاد انساننا الضعيف ويختبر كل
حاجاتنا البشرية. ولكن لماذا اختار الله هذا الشخص وفي هذا الزمن بالذات فهذا ما
نسميه غرابة الله في تصرفاته. فلايوجد نبي تكلم باللغة التي تكلم بها الرب يسوع لغة
المحبة والتواضع والمسامحة وتقديم الذات وفي النهاية صار ابنا للانسان وابنا لله
وغدا رمزا ومثالا ونموذجا حقيقيا سيقود البشر ليوصلهم الى طريق القداسة والبنوة
الحقيقية (لان طرق الرب محيرة ولا تعرف ابدا). واقعيا السير مع الله ليس امرا سهلا
(يعقوب صارع الملاك) (يسوع شرب كأس الالم) (ايوب فقد كل شيء) (ويونان القي في البحر)
ولكنه لايترك الانسان لوحده ويكون حاضرا ومستعدا وجاهزا للتدخل في الوقت المناسب
ليظهر ابوته ويشرق مجده في ذلك الانسان. الله يحتاجنا ونحن نحتاجه (انتم في وانا
فيكم).
مجيء المسيح كان
ضرورة قسوة لاعلان الله عن نفسه وبداية حقبة جديدة من دخول العالم في حالة مخاض
وولادة عسيرة وجديدة لمراجعة الانسان لحياته وانسانه القديم وعدم انجراره المستمر
خلف الشر وابتعاده عنه. الاتي بأسم الرب هو من سيدعم هذه الخطوة وسيرجع لابن ادم
كرامته التي افتقدها في زلته الاولى ويسمو بطبيعته ويفيض من روحه مرة اخرى عليه
وعلى الخليقة ليخلقها من جديد (حين تم ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امرأة
مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين هم تحت الناموس). مع هذا يطلب الرب تغيرا مستمرا
وجذريا للحياة ومسيرتها وتدخله يكون في الوقت الذي يرفض الانسان الاعتراف بخطئه،
فيحرضه ويدعوه للرجوع الى حياة الانسان الجديد، حياة ابناء الله (المولود من الروح
والحق، الذين يعبدون الله بالروح والحق).
ان نزول المسيح
وظهوره بين ابناء الجنس البشري وتجسده ووجوده كان خطوة هامة لعكس الوجه الحقيقي
الابوي لله وعمق المحبة التي يكنها للانسان (هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه
الوحيد) حب غير مشروط وغير محدود وارتباط وثيق وصادق خال من اي مساومة او مقايضة
وغير قابل للانفصام (انت ابني وانا اليوم ولدتك). برموز وايات ومعجزات واعاجيب
وعلامات وتعاليم اظهر لنا الرب يسوع وجه الله وعكس صورته وصفاته التي ظهر فيها
بتاريخ البشرية كائن قدوس وازلي وابدي وكامل وشامل ومحب للكل وغير خاضع لمقاييس
بشرية ناقصة ونسبية.
ان المحرك الرئيسي
الدائم للانسان في كل زمان هي الحاجات ((سنيقواثا))، الحاجة التي تجعله يتوجه نحو
الله وينشأ معه علاقة شخصية (علاقة حاجة) قد تكون حاجة روحية اواخلاقية اوانسانية
او مادية. (الانسان الاغريقي واليوناني في معتقداته كل حاجة كان يصنع لها الها
ويتوجه اليه بالطلبات والتضرعات ويقدم له الذبائح والقرابين لارضائه (مقابل)
كالحاجة الى الحب والانتقام والحرب والسلام والجمال، وهكذا عند الحضارات الاخرى).
وعند الديانات الاخرى كانت الفكرة السائدة الذهاب الى اله جبار متعالي يجب الوصول
اليه بشتى الوسائل والطرق لارضائه لكونه يتحكم بالطبيعة وبرزق الانسان ومسؤول عن كل
شيء (تصاعدي)، عكس المسيحية التي برهنت ان الاله (الله) هو الذي تنازل وبادر ودعا
وعرف ذاته لبني البشر في شخص ابنه يسوع المسيح (تنازلي) لم يعد مجهولا (من رأني
فقد رأى الاب، انا والاب واحد).
اذا رغم كل ما يحدث
من حروب وصراعات وازمات ومجاعات وظلم في العالم وانهيارات اخلاقية وايمانية فلا
يزال لله موجودا وحاضرا (انا معكم كل الايام الى انقضاء العالم) الله لايستسلم ابدا
ولا يتراجع ولا يتخلى عن الانسان بسهولة ويدعوه في كل حين الى الرجاء والمصالحة (الرجاء
الصالح لبني البشر). يظهر الله في اصعب الظروف واشدها عندما يعتقد الانسان ويظن انه
قد اهمله وتركه ويوفر له كل الوسائل والامكانيات اللازمة لخلاصه وكما يقول في سفر
اشعيا (ان نسيت الام رضيعها فأنا لا انساكم). يبدو الهنا غريبا وعجيبا في تصرفاته
واعماله (تارة حنون وتارة قاسي وتارة يعاقب وتارة يغفر) فلا يمكن فهمه وادراكه
ومعرفته بسهولة، وعلى الانسان ان يتوقع كل شيء من هكذا اله غيور حتى اسوء
الاحتمالات في ان يخسر كل شيء ليربحه هو، يقول المثل الصيني ((ان من يطلب الله
ويبيع كل ماله في سبيل ذلك ما خلا الفلس الاخير فهو مجنون، لاننا بأخر فلس نشتري
الله)) فهل الله يباع ويشترى، اكيدا لا فهذا تعبيرنا وهذه لغتنا البشرية في التحدث
عنه كي لانفقده ونظل متعلقين ومشدودين به. ان الله يحب الانسان خليقته وصنع يديه
لدرجة الجنون ويريد ان يقترب منه اكثر فأكثر ليحل فيه بطريقة اعظم وافضل من طريقة
الخلق.
زمن الميلاد هو زمن
الحضور المسيحي الحقيقي والحضور الانساني الفعال في العالم لاجل الاخر وزمن اتخاذ
القرارات الجادة والهامة امام مسألة ايمانية كبرى الا وهي {الانسان والله} علاقة
الانسان بالله وعلاقة الانسان بأخيه الانسان (من قبلكم فقد قبلني). فالانسان
لايكتمل الا بعلاقته الجادة والصادقة والصريحة مع الطرفين. ونعرف حقا ان العلاقة
بين الله والانسان في كل ابعادها واطوارها واشكالها وفي كافة جوانبها معقدة وصعبة
فقد تترواح احيانا بين القبول والرفض، بين عيش منطق العالم والمادة والمغريات وبين
عيش منطق ومبدأ السيد المسيح الذي لخصه في شريعة عظمى وخالدة هي شريعة المحبة الذي
يبدو للانسان في معظم الاحيان مبدأ مثاليا صعب التطبيق والسير فيه قد يكلف كثيرا
ويؤدي بالنتيجة الى ضياع واشياء كثيرة (من خسر نفسه من اجلي فقد ربحها).
مجد الله وفرح الله
وميلاد الله اكيد يتجلى في هذه العلاقة في الانسان المؤمن الفعال، الانسان الحي
الحاضر في العالم الذي بعلاقته المباشرة مع الله يكون هو صوته وصرخته ومجسدا لكلمته
الحية والمحية، فالله اتى الى عالمنا قبل الفي عام ولازال مجيئه مستمرا في حياتنا
كل يوم. ولد من مريم مرة واحدة بالجسد واليوم يصر على الولادة بروحه فينا بأيماننا
وصلواتنا وعباداتنا وحياتنا واعمالنا وطقوسنا ورسالتنا (الكلمة صار جسدا وحل بيننا).
يلح كثيرا على النزول الى عالمنا عالم اليوم المليء بالمأسي والتحديات الكبرى من
اجل حب السيطرة والبقاء للاقوى واستعباد الشعوب واخضاعها بشتى السبل، وليتحد مع هذا
العالم وهذه البشرية المتألمة لتصبح شريكة معه في الخلاص (بدوني لا تقدروا ان
تعملوا شيئا).
اذا اليوم يدعو الرب
يسوع بميلاده المجيد البشرية جمعاء والعالم بأكمله للولادة الجديدة وتصحيح العلاقة
ومنهجها واعادة النظر في كل معطياتنا البشرية والانسانية والايمانية والروحية
والاخلاقية على امل الانسلاخ من الانسان القديم والدخول في حياة وميلاد الانسان
الجديد (ابناء الله). |