|
الزواج
قبل أن
يخلق حواء من ضلع آدم تكلم الرب الإله وقال: "ليس مستحسنا أن يبقى آدم وحيـدا.
سأصنع له معينا مشابها له..تك 2: 18".
بهذا
الكلام سبق الله ورمز إلى شرط الخطبة على بني البشر أن يعملوه.
لهذا فإن
المسيحيين أثناء وليمة يسوع العريس السماوي، وجب عليهم أن يخطبـوا قبــل أن
يتزوجوا. وكما أن خطبة الكنيسة المقدسة خطيبة الملك السماوي تمت في نهر الأردن
بواسطة الكاهن يوحنا سليل الكهنة، وبحلول الروح القدس.. وصوت الآب من
السماء. والابن المشهود له بأنه هو الحبيب، هكذا أيضا تتم خطبة أبناء العروس
الطاهرة.. الكنيسة، فـي الهيكل المقدس، أمام المذبح الطاهر، بواسطة الكهنة
والشمامسة والمؤمنين، مع رتبة الخدمة، والصلاة، وبركـة الخطبة، ووجود الصليب
والخاتم و"تراب من مراقد القديسين.. خنانا ـ حنِنِأ".
أراد
الله عز وجل، أن يُشرك الزوجين الأولين في فعل الخير، فأسس الزواج، وبارك
البشر، وقال: "أثمروا وتكاثروا وأملأوا الأرض.. تك 1: 28". فربط الزواج بفعل
الخلـق، وليستمر الخلق باشتراك الخليقة في الخلق، عن طريق إيلاد البنين.
ويتبين
من نصوص الكتاب المقدس "تك 1: 26 ـ 28، 2: 8 ـ 24" أن الله خلق الإنسان "ذكرا
وأنثى" "تك 1: 27"، أي خلقهما جنسين متباينين ومتكاملين، ودعاهما إلى الاتحاد
والعيش المشترك في المحبة والتعاون والتضحية، بحيث يصبحان جسدا واحدا وروحا
واحدا. فيتطلب هذا الاتحاد منهما عطاء متبادلا تاما. والعلاقة الجنسية بينهما
تعبر عن الحب والعطاء المتبادلين وعن الاتحاد التام بينهما، فتنتــج عن هذا
الاتحاد حياة جديدة: الأولاد... والاشتراك في الحياة الإلهية.
وحيث
الحب، فهناك الله. وعلاقة الحب بين الزوجين هي رمز وعلامة لعلاقة الحب
اللامتناهي في الثالوث الأقدس، فيعبر الزوجان في حياتهما المشتركة عن حب الله
لهما، ويعيشان هذا الحب بملء كيانهما.
سر الزواج
اعتبرت
بعض الكنائس "عدا كنيسة المشرق" منذ القرن الثالث عشر "مَجْمَع ليون، عـام
1274" الزواج من أسرارها.
وقد رأى
بولس الرسول في اتحاد الزوجين صورة لوحدة المسيح بالكنيسة، إذ قال: "أيتها
الزوجات، أخضعن لأزواجكن، كما للرب، أيها الأزواج، أحبوا زوجاتكم مثلما أحب
المسيح الكنيسة وبذل نفسه لأجلها.. إن هذا السر لعظيم.. أفسس 5: 22، 25 ، 33".
السر
السر "في
أسرار الكنيسة" هو علامة حسية خارجية تشير إلى نعمة داخلية يمنحها السيد المسيح
للنفس بحسب احتياجاتها. فالسر هنا بمعنى عمل تقديس. وسر الزواج هو أحد أسرار
الكنيسة في بعض الكنائس.
والإشارة
الحسية الخارجية في هذا السر هي كلمة "نعم" التي يتبادلها الخطيبان في حفلة
زفافهما.
وبكلمة
"نعم" يتم عقد الزواج الذي يربط حياة الزوجين المشتركة برباط الحب، وفـي الوقت
نفسه يتم تقديس "أو سر" الزواج، أي أن الله يفتح كنوز نعمه عليهما.
غاية الزواج واختيار الشريك
سن الله
شريعة الزواج، وأقام لها غاية، الزوجان فـي الحب، وإيلاد البنيين وتربيتهم.
لا شك أن
معايير عديدة تلعب اليوم دورا في اختيار الشريك، لكن.. عندما تبتعد الجذور
الروحية للعائلة ستترك آثارا سيئة بعد الارتباط، قد تصل إلى عدم استمرار
الزواج. وما يزيد من تفكيـك روابط العائلة الأهواء الشخصية والأنانية وعدم
التمرس على الفضائل المسيحية وهيمنة روحانية فكر مجتمع الاستهلاك. فالفضائل
المسيحية كالمسامحة والتواضع والبذل والمحبة الصادقة والاحترام، هي شروط حقيقية
لاستمرار الرباط العائلي.
الزواج المسيحي
ما معنى
الزواج المسيحي؟.. وما الذي يفرقه عن غيره؟.
"ليس لحب
أعظم من هذا أن يضع الإنسان نفسه لأجل أحبائه.. يو 15: 13". تختصر هذه
الكلمات سر الفداء بأسره، لأنه سر الحب، النابع من محبة الله للبشر، وبهذا
تختصر علاقة المسيح بالكنيسة.
يكرر
الرسول بولس هذه الصورة في رسالته إلى أهل أفسس، الإصحاح الخامس عند حديثه عن
الزواج، فيشبه علاقة الرجل بالمرأة، أي الزوجين، بعلاقة المسيح بالكنيسة "أيهـا
الأزواج، أحبوا زوجاتكم مثلما أحب المسيح الكنيسة وبذل نفسه لأجلها، لكي يقدسها
مطهرا إياها.. أفسس 5: 25 ـ 26".
هدف الحب
هذا هو القداسة، فالزواج يشكل أحد دربي القداسة، والدرب الآخر البتولية، لأن
الحب هو الركيزة الأساسية فيهما. لذلك وبحسب مفهوم الكتاب المقدس، إذا أردنـا
أن نتعلم معنى الحب، وبخاصة الحب الزوجي، علينا أن ننظر إلى حب المسيح للكنيسة
ونتعلم منه كيف يكون الحب الأعظم.
عندما
أحب المسيح الناس مات من أجلهم على الصليب ولم ينظر إلى ضعفاتهم وعيوبهم. هكذا
في الزواج، يعلن الواحد أن الآخر مبتغاه بكل عيوبه، وأنه مستعد أن يبذل نفسه
لأجل من يحب: "لذلك أقبلوا بعضكم بعضا، كما أن المسيح قبلنا لمجد الله.. رومية
15: 7". على هذا الأساس يضع الكاهن إكليل الشهادة على رأسي العروسين.
الحب هو
حركة الخروج من الأنانية والفردية نحو الوحدة التي لا تذيب الأشخاص ولكن تؤكدهم
"كاتحاد الألوهية والبشرية في شخص يسوع المسيح".
الزواج
في جوهره محاولة لتحقيق هذه الوحدة حيث الاثنان يصيران ليس فقط روحا واحدا بل
جسدا واحدا. هذا كان في البدء عندما خلق الله الإنسان ذكرا وأنثى.. على مثاله
عمله. الله أرادهما واحدا عندما خلقهما.
الزواج
مؤسسة إلهية منذ فجر الخليقة وليس مجرد عقد اتفاق بين شخصين كما يقول البعض.
وحدة
الحب هذه انكسرت بالسقوط في الخطيئة وصار الحب مشوبا بالنزعة نحو امتلاك الآخر
والسيطرة عليه. لكن المسيح، عبر سر الفداء الذي أتمه، أعاد الزواج إلى أصالته،
ومن خلال الحب الذي أفرغه فينا أعاد إلينا النموذج الثالوثي الأول للحب: "علاقة
الحب بين الآب والابن والروح القدس". هكذا في الزواج المسيحي عندما يتقدم
الزوجان للآب السماوي ويقدمان له في المسيح حياتهما كلها، عندما يجتمع اثنان
باسم يسوع المسيح ويكون المسيح بينهما "يُطعّم الحب البشري بالحب الإلهي ويتحقق
الاتحاد الأصيل فيصير الاثنان واحدا في المسيح الذي يجمعهما بالروح القدس".
نحن نؤمن
أن الزواج المسيحي مقدس "وفي بعض الكنائس سر مقدس" يقام في الكنيسة، يأتي
الحبيبان ويقدمان لله حبهما بيسوع المسيح فيبارك الله زواجيهما ويجعلهما جسدا
واحدا.
العلاقة
التي تميز الزواج المسيحي هي هذه البركة التي يسعى إليها الزوجان اللذان يرضيان
العيش معا قبل تقديم حبهما عبر الكنيسة والحصول على نعمته عبر السر المقدس.
فالزواج ليس مجرد عقد يتم بين شخصين. إنه مؤسسة إلهية يدخل الله فيها شريكا،
وهي أبدية لا تزول. فالموت نفسه لا يفرق بين الزوجين المسيحيين.
ولكي تحل
بركة الله على العروسين، يجب أن يكون المسيح حالاً في قلبيهما. كما يجب عليهما
أن يعِيا معنى المحبة الكاملة التي عملها يسوع للبشر قولا وفعلا والتي
ستجمعهما.
صفات الزواج
1. وحدة
الزواج:
يقول
الكتاب المقدس في موضوع خلق الإنسان:
"في البدء
خلق الله الإنسان.. ذكرا وأنثى خلقهم.. تكوين 1: 27". ويعني بذلك وحدة الذكر
والأنثى اللذين خلقهما الله في الإنسان. وقد رسم الخالق هذه الوحدة في بدء
الخليقة، عندما قال: "لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته، فيصيران أثنين
في جسد واحد.. تك 2: 24".
وأوضح
بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله: "فلتكن لكل رجل زوجته، ولكل امرأة زوجهـا..1
كورنثوس 7: 2". واحد لواحدة، لأنهما متساويان في الحقوق الإنسانية، ولأن الحب
الزوجي الحقيقي يقتصر على شخصين، دون سواهما، يتبادلان فيه عطاء ذاتيهما عطاء
كاملا. فوحدة الزواج إذن، تحقق معنى الحب في أسمى غاياته. وينتج عن هذه الوحدة
الأمانة الزوجية.. فقد التزم كلا الزوجين يوم الإكليل أمام الله والكاهن
والشهود بأن يحفظا هذه الأمانة المتبادلة حتى الموت. والمحبس "الخاتم" هو رمز
وعلامة هذه الأمانة، وتتطلب الأمانة جهودا يومية مكثفة إزاء ما قد ينشأ عن
الحياة المشتركة ومسؤولياتها من صعوبات وعقبات. ومن البديهي أن الخيانة الزوجية
"بالنسبة للرجل والمرأة"، حتى في الفكر، هي إثم في عين الله، وانتهاك لحرمة
الحب الزوجي، وإهانة لكرامة الفريق الآخر. "كل من ينظر إلى امرأة بقصد أن
يشتهيها، فقد زنى بها في قلبه.. متى 5: 28".
لا شك في
أن نعم قدسية "سر" الزواج تساعد على أن يبقى الزوجان أمينين الواحد للآخر مدى
الحياة، أمينين في حبهما واتحادها. فيضع الواحد ثقته التامة في الآخر، ويشعران
بثقة متبادلة تجعلهمـا يرتاحان، إنها ثقة تؤدي إلى الهناء والسلام في علاقاتهما
وضم عائلتهما.
ومن أنجح
الوسائل للاستمرار في تنمية الأمانة الزوجية الاقتراب من سر الأفخارستيا: وهو
سر الحب والوحدة المسيحية والوحدة الزوجية.. فيشترك الزوجان في ذبيحة القداس
الإلهي، ويقدمان على مذبح الرب، مع ذبيحة الابن لأبيه السماوي: أفراحهما
وأتراحهما، صعوباتهما وأشغالهما، تجاربهما وضعفهما، حياتهما وحبهما. فينيرهما
المسيح ويقويهما ويقدسهما ويغذيهما من جسده ودمه وحياته. وهما يغذيان حبهما بحب
المسيح الذي يجمع قلبيهما ويوحدهما.. فيتجدد الزوجان في أمانتهما، ويتقدسان في
حياتهما، وينموان في حبهما المتبادل.
* وتجدر
الإشارة أيضا إلى أهمية الإماتة الجسدية "صوم، قطاعة، إماتات، تضحيات، إلخ.."،
وإلى حمل صليب السيد المسيح، وتنمية روح التضحية، وإلى واجب الصلاة المشتركة
اليومية في البيت. "الزوجان مع الأولاد".
* كما أن
التقرب من سر التوبة يشدد العزيمة، ينهض من الضعف، يقوي الإرادة، يساعد التغلب
على التجارب، يهذب الميول الرديئة، وينقي القلب.
"يتبع: الجزء الرابع والأخير". |