|
لم
تتغير كل الاعتبارات التي خطرت في ذهني وقدماي تطأ لأول وهلة العاصمة السورية
دمشق في زيارة خارج الوطن هي الأولى منذ أن أبصرت نور الحياة وطيلة أعوامي
الثلاثة بعد الثلاثين والتي لم تشهد أيامها رحلة خارجية.. وبالمعنى الدقيق
مغادرة حدود الوطن الأثير.
أقول: كل
التصورات التي رسمتها مخيلتي لم تتغير قيد شعرة عن التغيير في المناخ أو
الأجواء اللهم إنني شعرت وأنا في دمشق أنني كنت بعيدا نسبيا وبشكل مؤقت عن
جعجعة الأحداث الدامية وصوت الانفجارات الذي أضحى من الإحداث المألوفة هنا في
العراق، لكن ما منح للأمر انعطافة غيرت مسار الرحلة الروتينية هو محطتين جعلتا
زيارتي ذات معطيات إيجابية: الأولى سأترك لها موضع آخر لأتحدث عنها ألا وهي
اقتران منطقة مهمة من مناطق دمشق القديمة برسول الأمم مار بولس.. خاصة بما يعرف
اليوم بـ "باب توما"، فكل شيء في هذا الموقع يقودك لفواصل مهمة من سفر أعمال
الرسل وبالذات شرارة إيمان بولس خاصة وأنه ماثل للعيان الطريق الذي شهد
دخول الرسول حظيرة المسيحية وتوقفه عن ملاحقة المسيحيين، لا بل الموضع الذي شهد
لقاء رسول الأمم بحنانيا الذي كان واسطة بولس لإعادة بصره ليضحى الرسول بولس
بعد أن كان شاول الطرسوسي.. أعمى البصيرة همه الوحيد اضطهاد كلمة الرب. والمحطة
الأخرى التي منحت زيارتي الدمشقية نكهة مميزة هي زيارتي لـ "معلولا" التي تشير
إليها الموسوعة الحرة بأنها إحدى قرى القلمون في
سوريا حيث
تقع شمال غرب
دمشق
بمسافة نحو
50
كم.

حسب اللغة
السريانية فإن اسمها يعني المكان المرتفع ذو الهواء العليل، خاصة أنها ترتفع
عن سطح البحر بحوالي
1500
متر. تميزت هذه البلدة بأنها تحوي معالم قديمة مسيحية ولها بصمة مميزة على واقع
التاريخ الكنسي حيث يرجع تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد. ومازال أبناؤها
يلهجون بلغة السيد المسيح "الآرامية" حتى أن هنالك بعض المعاهد التي تضطلع
بتعليم أقدم اللغات كما في قرية
جبعدين
وبخعة،
يتكلم المسيحيون والمسلمون هذه اللغة، وتقصد معلولا أفواج سياحية للتعرف على
آثارها وشواخصها الإيمانية، لكن موسمها الأساسي يرتبط بعيد
الصليب الذي يصادف الرابع عشر من أيلول، وتذكار شفيعة البلدة
القديسة
تقلا في
22
من تموز.
ومن أهم أديرتها دير القديسة تقلا البطريركي، ويحتفل أهل معلولا بتذكار
القديس سركيس
الذي يصادف السابع من تشرين الأول.

تتميز بيوت
قرية معلولا بارتفاع بعضها فوق بعض طبقات بحيث لا تعلو الطبقة الواحدة منها
أكثر من ارتفاع بيت واحد لتتحول بذلك سطوح المنازل إلى أروقة ومعابر لما فوقها
من بيوت. أما الأوابد والأحجار الضخمة والمغارات المحفورة في الصخر فتحكي قصة
تاريخ آلاف السنين منذ العهد الآرامي الذي كانت فيه معلولا تتبع مملكة حمص إلى
العهد الروماني الذي سميت فيه معلولا "سليوكوبوليس" وإلى العهد البيزنطي الذي
لعبت فيه دورا دينيا مهما عندما أصبحت بدءا من القرن الرابع مركزا لأسقفية
استمرت حتى القرن السابع عشر. ويقع دير مار تقلا في مكان بارز من البلدة وهو
يطل من جوف الكهف الصخري الذي عاشت فيه القديسة، ويضم الدير رفات القديسة
تقلا ابنة
أحد الأمراء السلوقيين وتلميذة القديس بولس وماءً مقدسا للتبرك، والكهف الصخري
عبارة عن شق عاشت فيه بعد هروبها من مضطهديها حيث لا يزال هذا الكهف ظاهرا حتى
اليوم وفي رحابه بني دير مار تقلا.
وتعيش اليوم
في دير مار تقلا رهبنة نسائية ترعى شؤونه خاصة وأن جبال معلولا تميزت منذ
تاريخها بأنها كانت مدينة رهبانية ترتفع منها الصلوات والتضرعات ليلا نهارا إلى
الله.
تمتاز
معلولا بما يسمى "فج مار تقلا" وهو شق في الجبل يحدث ممرا ضيقا من طرف الجبل
إلى طرفه المقابل، وفي هذا الشق ساقية ماء تزيد وتنقص وفق الفصول والمواسم..
يتقاطر عليها الناس من كل مكان ليرشفوا من مياه بركاتها وينالوا نعمة الشفاء من
المرض والطهارة والنقاوة. يقسم الفج القرية إلى شطرين، ونشأ حين أراد المسيح
حماية مارت تقلا التي هربت من حكم الموت الصادر بحقها، فكانت العجيبة التي أبقت
الفتاة الهاربة في شطر والجنود الرومان في الشطر الآخر حسب روايات سكان معلولا.
وتشير المستشرقة بوجينا طرابلسية في كتابها "لآليء الشرق الأوسط" إلى أن تاريخ
معلولا مرتبط باسم القديسة تقلا التي عاشت هناك في القرن الأول الميلادي. كما
تغطي المستشرقة جانبا مهما من احتفال المعلوليين بالتميز باحتفال عيد الصليب
حيث تقول إنه أثناء البحث عن التذكار المقدس "قطعة خشبة الصليب، الرمز الهام
لدى المسيحيين" في القدس.. كان على الجنود المرابطين في معلولا والمرسلين من
قبل الإمبراطور أن ينقلوا بأقصى سرعة نبأ العثور على الصليب للقديسة هيلانة
والدة الإمبراطور قسطنطين، فما أن عثروا عليه على قمة جبل القديسة تقلا في
معلولا حتى أذاعوا الخبر وأوصلوه إلى القسطنطينية بواسطة المشاعل، ومنذ ذلك
اليوم من ليلة
13
- 14
أيلول يعمد شبان معلولا وضواحيها إلى إضاءة صلبان ضخمة على قمتي الجبل وتقرع
الطبول وتضرم المشاعل وتنظم حلقات الدبكة السورية المشهورة أو ما يتعارف عليه
هناك بـ "العراضة" وتستمر الاحتفالات حتى ساعة متأخرة من الفجر.
 |