سؤال وجواب

تاريخ

لاهوت

روحانيات

الرئيسية

إن المسيحية إنما إنتشرت في العالم على يد الرسل الإثني عشر وتلاميذ المسيح الإثنين والسبعين. فإنهم بعد حلول الروح القدس...

 

قصص وحكايات

إقرأ الكتاب المقدس في عام

إنجيل الأسبوع

تحميل

روابط

اتصل بنا

 

يسوع العنف أم السلام...

 

الأب يوخنا ياقو

   

 

سؤال طالما فكر المرء فيه وتجول في خواطره العديد من الأفكار والتأملات عن حقيقة شخصية يسوع ابن الله. يسوع الذي انطباعنا الجليّ عنه "قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (متى 20:12)، يسوع المخلص الذي بولادته رتل الملائكة ترتيلة السماء "المجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة" (لوقا 14:2)، نراه في مواقف أخرى بعيد كل البعد عن مفهوم السلام الذي نادى بها في رسالته للإنسانية وعلـّمه لتلاميذه والذي نادوا بها من بعده. فماذا كان موقف يسوع من السلام، وهل كان عنيف في بعض الأحيان؟ لعلّ البعض قد قرأ الآية التي تجعل من يسوع "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته" (متى 19:12) وبهذا أعتبر يسوع الشخص المسكين، المسلوب حقه، الضعيف، والذي بضعفه وصل إلى حافة النهاية والتي كانت موته على الصليب. لكن أليس هو الذي قال عن موته على الصليب: "ليس أحد يأخذها مني بل اضعها انا من ذاتي. لي سلطان ان اضعها ولي سلطان ان آخذها ايضًا" (يوحنا 18:10). فإذن يسوع لم يكن بالشخص الضعيف، الهزيل الشخصية، يسوع كان يهزّ الهيكل بصوته، وبغيرته على بيت أبيه طرد الجميع من الهيكل بسوط من حبال.

كما وفي خضم الظروف القاسية التي يمر بها أبناء العراق وخاصة المسيحيين منهم في ظل غياب القانون والديمقراطية وأبسط حقوق الإنسان، تـُطرح العديد من الأسئلة من عامة الشعب حول جواز استخدام السلاح والدفاع عن النفس في هكذا مواقف. وكان شخص ما اقترب من أحد الكهنة مستفسرًا عن حلول الوقت لرفع السلاح والمضي كسائر الطوائف الأخرى والتي لها الميليشيات والجيوش التي تدافع عن أحزابها وقوميتها وأفكارها ووجودها. وكان الشخص ذكيًا ليسأل الكاهن مقتبسًا من الإنجيل آية يستدل القارئ للوهلة الأولى تشجيعًا لحمل السلاح وقت الضرورة والأزمة والضيق. وما نعيشه الآن من أزمات ليس بالقليل للعمل بتلك الفكرة. فقد ذكـّر هذا الشخص الكاهن بأحداث القسم الأخير من خطبة يسوع بعد العشاء الأخير والتي يرد حواراً بين يسوع وتلاميذه. ولنصيحة أعطاها إياهم، والتي يحوّلها بالنظر إلى الأزمنة التي يعيشها هو وربّما يعيشونها هم. تلك الأزمنة التي كانوا بعيدين عن إدراكها: "فقال لهم لكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك. ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفاً. فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان. فقال لهم يكفي" (لوقا 22: 36ـ37). وقد ينتظر المرء من الكاهن بان يجيب إما بالموافقة والتأييد أو رفض العنف تمامًا. لكن دهشتنا أكبر لسماعنا بان الكاهن لم يعلم ولم يقرأ حتى فيما إذا كان يسوع قد قال هذا ام لا. ورد على السائل إن كان قد قرأ هذه الآية في إنجيل برنابا المحرّف!

كان يسوع يذكـّر تلاميذه بعمله فيهم في كل حين وذلك بسؤالهم فيما إن كانوا في حاجة إلى عصا أو كيس أو خبز أو مال لدى إرسالهم للمرة الأولى ليعلنوا الملكوت في (لوقا 4:10) وانتظر يسوع بلا شكّ جواباً سلبياً: كلا، لم ينقصنا شيء. وهذا يدلّ على الضيافة التي لاقوها لدى الشعب الذي أعلنوا فيه كلمة الله وشفوا مرضاه. أما الآن والضيق أمامهم، فعليهم أن يقوموا باستعداد من نوع آخر. عليهم أن يتهيّاوا لأيام العنف التي تنتظرهم. فالجماعة ستواجه منذ الآن زمن المحنة مع يسوع الحاضر معها حضوراً سرياً، الحاضر معها حضور الخدمة. وابليس الذي دخل في يهوذا لن يوفّر الأحد عشر أيضاً. وحين كانت الخيانة تحاك حوله، سلّم يسوع إلى رسله خدمة شعب الله. والان ها هو يسلّم بطرس الذي سيخونه، مهمة تقوم بأن يثبّت إخوته. ومن أين ستكون له هذه القوّة؟ من صلاة يسوع. قال له: "صلّيت لك أن لا تفقد إيمانك".

بعد أن تجاهل اليهود شروط السلام (ليتك، يا أورشليم، عرفت اليوم طريق السلام) وقرّروا أن يقتلوا النبي والملك، أعلنت "الحرب". لسنا هنا أمام نداء إلى الجهاد المسيحاني على طريقة جماعة الغيورين. فيسوع رفض أن يدافع عنه تلاميذه بالسيف (22: 49- 50: كفى، لا تزيدوا). ولسنا أمام حرب على القيصر ارتبط بها الجدال الثاني في الهيكل (20: 20- 26: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله). نحن أمام نداء لمواجهة الجهاد الرسولي في إطار الرذل والطرد، في إطار من العداء والاضطهاد، في إطار الاتعاب الرسولية التي سيعرفها شهود الانجيل. لقد وصلت مهمّة الابن إلى نهايتها. وهي تنبئ بمهمّة التلاميذ. فلا أحد يفلت من "ضرورة" مسيرة قصد الله الذي يتوافق يسوع معه. غير أن الرسل لم يدركوا بعد هذه "الضرورة". إنهم يريدون أن يفلتوا من هذا المصير. يريدون أن يدافعوا عن أنفسهم: وهذا ما يدلّ عليه السيفان اللذان حملوهما معهم. ولكن المعلّم قطع الطريق أمامهم. "يكفي هذا الحديث، لم تفهموا شيئاً".

كان تفسير خاطئ في عالم بيزنطية وفي الغرب المسيحي ففسّر "السيفين" على أنهما سلطتان تجتمعان "باسم يسوع": السلطة الروحية والسلطة الزمنية. وباسم هذا التوافق بين السلطتين، عرفت الكنيسة الشواذات العديدة التي لا مجال لذكرها الآن. وكان تفسير آخر على مستوى الجماعات التي تحاول أن تدافع عن نفسها بسلاح العالم لا بسلاح المسيح. فقيل أن يسوع طلب من مرافقيه أن يحملوا سيفين، لا سيفاً واحد وحسب. فشرحوا كلمة "يكفي"، بمعنى أنه يكفي ما معكم من سلاح. فماذا فعل هذا السلاح؟ أمّا "يكفي" كما قلنا، فهي تعني أن الرسل لم يفهموا بعد قصد يسوع الرافض للعنف، فقال: أوقفوا هذا الحديث.
أجل، هي ساعة العنف والاضطهاد. وعلى شهود المسيح أن يعرفوا كيف تكون المواجهات المقبلة. فهو بنفسه قد رسم لنا الطريق حين طلب منا أن نحمل صليبنا ونتبعه، أن نتخف عن كل ما لنا لكي نكون له تلاميذ حقيقيين. هو لم يدافع عن نفسه، بل تقبّل الكأس، كأس الآلام والموت، التي قدّمها له الآب. وعلى من تقبل رسالة المسيح الخلاصية التخلي عن كل شيء حتى الضروريات ليكون هو سرّ شبعه والمدبّر لحياته الخاصة وعمله الكرازي، ووقت حمل الصليب يوجه أنظاره للجهاد، لا ليحمل سيفًا ويحارب به كما ظن التلاميذ، وإنما ليحمل سيف الإيمان الحيّ العامل بالمحبة. لهذا يمنع بطرس من استخدام السيف كوسيلة للخروج من الضيق، وحتى إن كان بطرس قد فهم عكس ذلك واراد استخدام هذين السيفين والذين لم يكونا سوى سكينين كبيرين كانا معه ويوحنا، اُستخدما في إعداد الفصح، أراد استخدامهما للدفاع عن النفس. لذا نرى بطرس في حيرة من أمره فهو يؤمر بهذا الشراء (السيف)، بينما يمنع من الضرب (متى 52:26). إنه يؤمر باقتناء ما يُمنع عن أخراجه من غمده، حتى ولو للدفاع عن النفس.

لم يترك الرب تلاميذه في عوزٍ إلى شيء، بل بفيض أشبع كل احتياجاتهم حين كان معهم بالجسد "هل يستطيع بنو العرس ان يصوموا والعريس معهم" (مرقس 19:2).، والآن لمحبته أراد لهم أن يتركهم ليحمل هو الصليب، ويصيرون كما في عوز، لكي ينعموا بخبراتٍ جديدةٍ وسط العوز والألم. المحبة التي من خلالها عاشوا فترة من الزمن في راحة بلا عوز هي بعينها التي سمحت لهم ولنا أن نمارس الشركة معه في آلامه. فلنأخذ خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله، لأن كلمة الله حية وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة افكار القلب ونياته. "فمن سيفصلنا عن محبة المسيح. أشدّة ام ضيق ام اضطهاد ام جوع ام عري ام خطر ام سيف". (رو 35:8).

 
 

Copyright  www.karozota.com

 
  
 

English